أزمة مالي بين أدوار الفاعلين المحليين والخارجيين وآفاق الصراع
2026-06-20630 مشاهدة
تشهد البيئة الأمنية في مالي تدهوراً متسارعاً وخطيراً بعد الهجمات المنسقة التي شنتها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بالتحالف مع جبهة تحرير أزواد في إبريل/ نيسان 2026 على مقرات الجيش المالي. وقد طالت هذه الهجمات مراكز ثقل إستراتيجية تمتد من العاصمة باماكو وقاعدة كاتي العسكرية، وصولاً إلى سيفاري بوسط مالي وكيدال شمالها، لتكشف عن ثغرات هيكلية عميقة في منظومة الأمن القومي المالي، وتطرح تساؤُلات جوهرية حول الجدوى الفعلية للدعم العسكري الروسي للجيش المالي في مواجهة التطوُّر العملياتي المتصاعد.
يُمثّل التنسيق العملياتي غير المسبوق بين الحركات الانفصالية العِرْقية والجماعات الجهادية العابرة للحدود التحول الأكثر أهمية في مسار الصراع، فعلى الرغم من التباينات الأيديولوجية والسياسية التاريخية بين الطرفين، تُظهر الأنشطة العسكرية للطرفين مستوى متقدماً من التكامل التكتيكي وتقسيم مسارح العمليات.
وقد ركزت جبهة تحرير أزواد عملياتها في الأقاليم الشمالية، وتحديداً في كيدال والمناطق المتاخمة لها، بينما تولَّت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين توجيه ضربات متزامنة طالت أهدافاً سياسية وعسكرية في الوسط والجنوب، بما في ذلك محيط العاصمة، وقد أسهم هذا التوزيع الجغرافي للمهام في تشتيت القدرات للقوات الحكومية وإنهاكها على جبهات متعددة، مما سمح للجماعات المسلحة بتحدي سلطة الدولة في مناطق كانت تصنف سابقاً ضِمن المربعات الآمنة.
وبالحديث عن أدوار الفاعلين الحاليين، فإن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، تمكنت عَبْر سنوات من التمدد المنهجي والزحف التدريجي نحو الجنوب، ولم يقتصر تطوُّرها على الجانب العسكري فحسْبُ، بل امتدّ ليشمل تبني نموذج حوكمة محلي أكثر براغماتية في مناطق نفوذها.
فبدلاً من الاعتماد الحصري على أدوات الإكراه، طورت الجماعة آليات لفضّ النزاعات الأهلية وتقديم خدمات اجتماعية محدودة، مما مكَّنها من تعزيز حضورها المجتمعي واكتساب حاضنة شعبية تعزز من قدرتها على الصمود أمام الحملات العسكرية المتتالية.
بالمقابل يؤكد الدور المحوري لجبهة تحرير أزواد استمرارية المظالم السياسية للطوارق وحيويتها، حيث شكلت استعادة السيطرة على مدينة كيدال ضربة إستراتيجية ورمزية لسردية باماكو السيادية. فتلك المدينة تُعتبر المعقل التاريخي والقلب النابض للحراك الانفصالي، وسقوطها مجدداً في يد الفصائل الأزوادية يبرهن على أنهم لا يزالون يمتلكون قدرات تعبوية عالية تستطيع استغلال البنى الاجتماعية المحلية لنسج تحالفات مرحلية متى ما تقاطعت المصالح الميدانية.
في حين يضع هذا المشهد المعقد القيادة في باماكو أمام مأزق خانق، فقد تبنى المجلس العسكري منذ وصوله إلى السلطة مقاربة أمنية صارمة ترفض مبدأ التفاوض مع الجماعات المسلحة، مراهناً على التحالفات العسكرية الخارجية لفرض سيادة الدولة بقوة السلاح.
غير أن استمرار التقدم العسكري للجماعات المسلحة أثبت هشاشة التحصينات الأمنية وقدرة هذه الجماعات على الوصول إلى مواقع حسّاسة لا سيما في المناطق الحدودية، وهذا الأمر أدى إلى إضعاف الخطاب الرسمي الذي كان يروج ولا يزال لإمكانية حسم الصراع بالوسائل العسكرية البحتة.
وفيما يخص الدور الروسي الذي يمثل الركيزة الأساسية لدعم المجلس العسكري عَبْر الفيلق الإفريقي وريث مجموعة فاغنر، فقد كشفت تطوُّرات الشهرين الماضيين عن المحدودية الفعلية لهذا التدخل. فرغم المشاركة المباشرة في عمليات مكافحة التمرد، عجزت القوات الروسية والمالية المشتركة عن منع الجماعات المسلحة من التنسيق عَبْر مساحات شاسعة وانتزاع أراضٍ إستراتيجية.
كما أن تواتُر التقارير حول انسحابات تكتيكية روسية من كيدال يعزز الانطباع بأن التواجد الروسي يركز حالياً على تأمين بقاء النظام وحماية الأصول الحيوية بدلاً من بسط الاستقرار في المناطق التي خرجت عن سيطرة الدولة.
وبناءً على ما سبق، تتجه الديناميكيات الأمنية في مالي نحو مسارات شديدة التعقيد في المدى المنظور. فمن المرجح أن تواصل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين سياسة القضم التدريجي للأرياف والتحكم في خطوط الإمداد والمواصلات، بينما سيستمر التحالف التكتيكي مع الحركات الأزوادية طالما أنه يحقق غاية الاستنزاف المشترك للسلطة المركزية.
ورغم توجُّه باماكو المتوقع نحو تصعيد العمليات العسكرية وتوثيق التنسيق مع حلفائها في النيجر وبوركينا فاسو، فإن غياب مقاربة سياسية شاملة تعالج أزمات الحَوْكَمة والتنمية الهيكلية سيجعل من أيّ مكاسب ميدانية مجرد انتصارات هشّة، لتظلّ مالي بذلك بؤرة مشتعلة أزمة إقليمية أوسع تعصف بمنطقة الساحل.




