إحياء مسار خطّ الغاز العربي بصيغة مستحدَثة
2026-09-093089 مشاهدة
دخل مشروع تزويد لبنان بالغاز الطبيعي عبر الأردن وسوريا مرحلة جديدة، بعد موافقة الحكومة الأردنية في 6 سبتمبر/ أيلول 2026 على تزويد لبنان بالغاز الطبيعي عبر الباخرة العائمة في ميناء العقبة، بالتعاون مع الجانب السوري، بهدف دعم احتياجات لبنان من الطاقة اللازمة لإنتاج الكهرباء.
ويقوم الترتيب الجديد على استيراد الأردن الغاز الطبيعي المسال من الأسواق العالمية، ثم إعادة تحويله إلى حالته الغازية باستخدام وحدة التغويز العائمة والبنية التحتية المتوافرة في ميناء العقبة، قبل نقله عبر شبكة الغاز الأردنية باتجاه الشمال، ومن ثَمّ تمريره إلى لبنان عبر الأراضي السورية، ويختلف هذا المسار في آليته عن الصيغة القديمة للمشروع، التي كانت تقوم أساساً على نقل الغاز المصري عبر خطّ الغاز العربي.
ويأتي القرار الأردني بعد أشهر من الاتصالات والاجتماعات الفنية بين الأردن وسوريا ولبنان، وبعد تقدُّم في إعادة تفعيل مسار الغاز في المنطقة. كما يأتي في وقت يبحث فيه لبنان عن مصادر أكثر استقراراً وأقل كلفة لتأمين الوقود لمحطات إنتاج الكهرباء، في ظلّ استمرار أزمة الطاقة والحاجة إلى زيادة ساعات التغذية.
وبالعودة لخطّ الغاز العربي كان يُعَدّ من أبرز مشاريع البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وقد أُنشئ لربط مصر والأردن وسوريا ولبنان بشبكة لنقل الغاز الطبيعي، وكان المسار يبدأ من العريش في مصر، مروراً بالعقبة والأراضي الأردنية والسورية، وصولاً إلى لبنان.
وشهد الخطّ خلال عام 2003 عمليات تشغيل وتبادُل للغاز بين عدد من دول المنطقة، قبل أن تؤدي الأحداث في سوريا عام 2011 إلى عرقلة المشروع، كما تعرضت أجزاء من البنية التحتية السورية، بما فيها خطوط النقل ومحطات التحويل والمنشآت المرتبطة بها، لأضرار كبيرة، فيما أضافت الظروف الأمنية والعقوبات الدولية تعقيدات سياسية وفنية ومالية حالت دون عودة التشغيل المنتظم.
وخلال الفترة 2021-2022، عادت محاولات إحياء المسار بهدف تزويد لبنان بالغاز المصري عبر الأردن وسوريا لتشغيل محطة دير عمار، وجرى إعداد اتفاقات وخطط فنية لهذا الغرض، إلا أن المشروع لم يتحوّل إلى إمدادات فعلية منتظمة بسبب مجموعة من العوامل، من بينها صعوبات التمويل، والعقوبات التي كانت مفروضة على سوريا، وعدم اكتمال الجاهزية الفنية لبعض أجزاء الشبكة، إضافة إلى الوضع المالي الصعب في لبنان.
أما الصيغة الحالية فتختلف عن تلك المحاولات؛ إذ لا تعتمد حصراً على الغاز المصري، وإنما تستفيد من موقع الأردن وبنيته التحتية في العقبة لاستقبال الغاز الطبيعي المُسال من الأسواق العالمية وإعادة تغويزه ثم نقله عبر شبكة الأنابيب باتجاه سوريا ولبنان.
وفي هذا الصدد شهد عام 2026 تحرُّكاً أكثر جِديّة لإعادة بناء مسار إقليمي للغاز. فقد بدأ الأردن بتزويد سوريا بالغاز الطبيعي، مستفيداً من البنية التحتية الموجودة في العقبة ومن شبكة النقل باتجاه الأراضي السورية.
ومع استمرار التنسيق بين الدول الثلاث، تطور المسار من فكرة إعادة تشغيل الخطّ القديم إلى نموذج أكثر مرونة يقوم على استخدام الغاز المسال المستورد عبر الأردن، وفي مايو/ أيار 2026 أُعلن عن اتفاق للتعاون في مجال الغاز بين الأردن وسوريا ولبنان، في إطار الجهود الرامية إلى تأمين احتياجات الطاقة وإعادة تفعيل شبكات النقل الإقليمية.
وما سبق أدى لوصول التفاهمات إلى ما أعلنت عنه الأردن في 6 سبتمبر/ أيلول 2026، لكن هذا الأمر لا يعني بالضرورة أن الغاز بدأ بالتدفق إلى لبنان؛ إذ لا تزال هناك خُطوات فنية وتعاقدية وتشغيلية يجب استكمالها قبل وصول الإمدادات فعلياً إلى محطة دير عمار. بالتالي فإن التطور الحالي يُمثّل انتقالاً من مرحلة البحث في إمكانية إعادة تشغيل الخطّ إلى مرحلة إعداد ترتيبات تنفيذية أكثر وضوحاً.
ويحتاج المسار اللبناني إلى استكمال عدد من المتطلبات الفنية والتعاقدية، وفي مقدمتها تجهيز وتأهيل الأجزاء المطلوبة من خطّ الغاز المؤدي إلى محطة دير عمار، والتأكد من سلامة المقاطع التي يمر بها الغاز داخل الأراضي السورية.
كما يتطلب الأمر الاتفاق بصورة نهائية على كميات الغاز وأسعار الشراء وآليات الدفع والعبور والمسؤوليات التشغيلية بين الأطراف المعنية، وهذه المسائل مهمة بصورة خاصة بالنسبة إلى لبنان، نظراً إلى أزمته المالية وحاجته إلى آلية دفع يمكن استمرارها من دون أن تتحوّل إمدادات الغاز إلى عِبْء مالي إضافي على الدولة.
ومن الجانب الفني، فإن وصول الغاز إلى لبنان لا يعتمد على جاهزية الأردن وحده، فالمسار بأكمله مرتبط بسلامة الشبكة السورية وقدرتها على نقل الكميات المطلوبة، وبجاهزية الجانب اللبناني لاستقبال الغاز واستخدامه في محطة دير عمار.
بالنتيجة يعيد المشروع إحياء وظيفة خطّ الغاز العربي، ولكن بطريقة مختلفة عن النموذج الذي كان قائماً قبل عام 2011، بحيث تصبح العقبة نقطة استقبال للغاز المستورَد وإعادة تغويزه وتوجيهه نحو الأسواق المجاورة.
ومن المرجَّح أن تتركز المرحلة المقبلة على استكمال الأعمال الفنية في الجانب اللبناني والسوري، وإنهاء الاتفاقات التجارية وتحديد الكميات والجداول الزمنية، قبل الانتقال إلى الاختبارات التشغيلية ثم بَدْء ضخّ الغاز.
وفي حال نجاح هذه المرحلة، يمكن أن يوفر الغاز لمحطة دير عمار وقوداً أكثر ملاءَمة لتشغيلها بكفاءة، بما يساهم في زيادة إنتاج الكهرباء وتحسين ساعات التغذية، وعلى المدى المتوسط، يمكن أن يتحول مسار العقبة إلى منصة أوسع لتجارة الطاقة في المنطقة، خصوصاً إذا نجحت الدول المعنية في بناء ترتيبات مستقرة للعبور والتسعير والدفع والصيانة كما يمكن أن يتكامل لاحقاً مع مشاريع الربط الكهربائي وتبادُل الطاقة بين دول المنطقة.




