اتفاق 4+4 في ليبيا من تجاوُز الانسداد إلى اختبار التنفيذ

اتفاق 4+4 في ليبيا من تجاوُز الانسداد إلى اختبار التنفيذ

2026-09-23
1770 مشاهدة
Download PDF

مقدمة

ظلّت العملية السياسية في ليبيا تُراوح مكانها لسنوات، ولا سيما منذ تعثُّر الانتخابات التي كان مقرراً إجراؤها في ديسمبر/ كانون الأول 2021. ومنذ ذلك الحين، تعاقبت المحاولات الرامية إلى معالجة الخلافات المتعلقة بالقوانين الانتخابية وبالشرعية المؤسسية، إلا أن هذه الجهود لم تُفضِ إلى اختراق سياسي مُستدام.

وقد خلصت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في ضوء إخفاق المحاولات السابقة، إلى أن استئناف المسار الانتخابي يتطلّب معالجة الأسباب التي حالت دون إجراء الانتخابات، بدلاً من الاكتفاء بإعادة إطلاق العملية الانتخابية بصيغتها السابقة.

وانطلاقاً من ذلك أعلنت الأمم المتحدة في ليبيا في 21 أغسطس/ آب 2025، عن خارطة طريق سياسية تقوم على نهج متدرج ومترابط يهدف إلى الوصول إلى انتخابات رئاسية وتشريعية، وتوحيد مؤسسات الدولة، ومعالجة القضايا السياسية والهيكلية التي تعيق الاستقرار السياسي في البلاد.

بَيْدَ أن هذه الخارطة واجهت تعثُّراً متواصلاً؛ لأن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة لم يتمكنا من إحراز تقدُّم حقيقي رغم انخراط البعثة في جهود متواصلة مع المؤسستين. كما أن التفاهم السابق بشأن آلية اختيار مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات لم يُنفَّذ، وعليه ظلّ تعديل الإطار الانتخابي والقانوني متعطلاً.

وبذلك خلصت البعثة إلى أن استمرار الاعتماد على الصيغة ذاتها لن يكون كافياً لإنجاز الاستحقاقات الأولية، ولهذا أعلنت بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا في فبراير/ شباط 2026 عن مقاربة بديلة تقوم على مرحلتين، تتمثلان بتشكيل مجموعة ليبية مصغرة تكون مهمتها محاولة التوصل إلى حلول، وفي حال استمرار الانسداد، يتم الانتقال إلى صيغة أوسع تستند إلى الآليات المنصوص عليها في الاتفاقات السياسية الليبية القائمة.

وعليه رعت الأمم المتحدة توقيع اتفاق لجنة الاجتماع المصغر 4+4 اتفاقاً بين ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية والقيادة العامة لقوات شرق ليبيا بمشاركة أعضاء من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في 30 أغسطس/ آب 2026 بالعاصمة الليبية طرابلس.

ويهدف الاتفاق إلى استكمال الخُطوتين الأوليين من خارطة الطريق الأممية، عبر إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتعديل الأُطُر القانونية والدستورية اللازمة لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في مدة لا تتجاوز 24 شهراً(1).

أولاً: مضامين الاتفاق

تنص الوثيقة الموقعة على مجموعة من التدابير المحددة المتعلقة بإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وإجراء تعديلات على الإطار القانوني المنظِّم للعملية الانتخابية في عدة بنود أبرزها:

1. تعيين ضو إبراهيم الهامي عطية رئيساً لمجلس المفوضية، وسناء الشتيوي نائباً للرئيس، كما تُسمِّي كلاً من علي الطاهر عبد الجواد، وهيثم علي الطابولي، وعلي أبو صلاح أعضاء عن مجلس النواب، فيما تُسمِّي سناء الليشاني، وبيدوي محمد بيدوي، وعلي مفتاح المبروك أعضاءً عن المجلس الأعلى للدولة.

2. اعتماد اتفاق القانون رقم 28 لسنة 2023 أساساً لإجراء الانتخابات الرئاسية، مع إدخال عدد من التعديلات عليه. ويُسمح لمزدوجي الجنسية بالترشح، شريطة أن يتخلى الفائز النهائي عن جنسيته غير الليبية قبل أداء اليمين الدستورية، كما يُسمح لأفراد المؤسسة العسكرية بالمشاركة في الانتخابات.

3. إلغاء شرط إجراء جولة ثانية إلزامية إذا تمكن أحد المرشحين من الحصول على الأغلبية المطلقة، أيْ أكثر من 50% زائد صوت واحد. ويشترط للترشح الحصول على 20 ألف تزكية من الناخبين المسجَّلين والموزعين على مختلف أنحاء ليبيا، وإلغاء الارتباط السابق بين نتائج الانتخابات الرئاسية ونتائج الانتخابات التشريعية.

4. يتضمن الاتفاق اعتماد القانون رقم 10 لسنة 2014 أساساً للانتخابات التشريعية، مع منح مجلس النواب المنتخب صلاحية اعتماد الدستور الدائم، والسماح للأحزاب بالمشاركة عبر مرشحين أفراد، كما يقر عقد جلسات مجلس النواب والسلطة التنفيذية دورياً بالتناوب بين طرابلس وبنغازي وسبها.

5. تحديد إطار زمني لا يتجاوز 24 شهراً لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية تحت مظلة سلطة تنفيذية ومؤسسات موحدة، مع الالتزام بالتعاون مع بعثة الأمم المتحدة لإيجاد آلية بديلة إذا تعذر التزام هذا الموعد.

وبذلك تضمن الاتفاق مساريْنِ متوازييْنِ؛ الأول يتعلق بإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، والثاني بتعديل القواعد القانونية المنظِّمة للانتخابات الرئاسية والتشريعية، وقد أكدت بعثة الأمم المتحدة عند توقيع الاتفاق في 30 أغسطس/ آب أن المناقشات التي أفضت إليه بدأت في روما في 29 إبريل/ نيسان 2026، ثم تواصلت عبر سبع جولات من المحادثات في مقر البعثة في تونس، وأنها ركزت تحديداً على هذين الاستحقاقين باعتبارهما أول خُطوتين في خارطة الطريق السياسية(2).

ثانياً: العراقيل والفرص

يُمثّل توقيع الاتفاق انتقالاً من مرحلة التفاوض حول الاستحقاقات الانتخابية الأولى إلى مرحلة أكثر تعقيداً تتمثل في تحويل التفاهمات التي تضمنها الاتفاق إلى ترتيبات سياسية ومؤسسية قابلة للتنفيذ، وهو يواجه عدة فرص وعوائق في الوقت ذاته أبرزها:

- عالَجَ الاتفاق مسألتين ظلتَا تمثلان محوراً رئيسياً للانسداد الانتخابي، هما إعادة تشكيل مجلس مفوضي المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتسوية عدد من القضايا الخلافية في الإطار القانوني المنظِّم للانتخابات الرئاسية والتشريعية، وعليه يوفر الاتفاق أساساً تفاوضياً أكثر تحديداً مما كان متاحاً في المراحل السابقة، إذ انتقل النقاش من المبادئ العامة المتعلقة بضرورة إجراء الانتخابات إلى ترتيبات محددة تتصل بالقواعد الانتخابية وبالمؤسسة المكلفة بإدارتها.

- يعزز هذا الأساس السياسي بعض المؤشرات التي ظهرت بعد التوقيع، فقد رحب مجلس الأمن بالاتفاق، ودعا جميع الأطراف الليبية المعنية إلى دعمه والعمل على تنفيذه، كما جدد تأييده لخارطة الطريق التي تقودها بعثة الأمم المتحدة(3).

- بالنسبة للعوائق إن توقيع الاتفاق لا يعني أن مشكلة الشرعية المؤسسية قد حُسمت، فالاعتراض الذي أبداه المجلس الأعلى للدولة على الاتفاق يكشف عن خلاف أعمق يتعلق بالجهة التي تملك صلاحية إنتاج ترتيبات مُلزِمة في المرحلة الانتقالية.

فقد أكد المجلس، قبل توقيع الاتفاق أن أيّ تفاهم سياسي ينبغي أن يستند إلى أساس دستوري وقانوني واضح، وأن يحظى بالتوافق الوطني، وشكك في مدى قدرة صيغة 4+4 على إنتاج ترتيبات ذات أساس مؤسسي(4)، وأيضاً استأنف بعد توقيع الاتفاق اجتماعات لجنة 6+6 مع مجلس النواب في 11 سبتمبر/ أيلول 2026(5).

- الوثيقة لا تكتفي بتعديل قواعد الانتخابات، وإنما تربط إجراء الانتخابات بوجود سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحَّدة، بما في ذلك المؤسسات العسكرية والأمنية والسيادية، وهذا الأمر صعب التنفيذ؛ لأن المشكلة الأمنية في ليبيا معقدة ومرتبطة بوجود هياكل مسلحة موازية وتعدُّد مراكز السلطة الأمنية، واستمرار تأثير التدخل الخارجي للقوى الدولية الفاعلة في الملفّ الليبي.

- الحديث عن توحيد السلطة التنفيذية والمؤسسات الوطنية يطرح مسائل عملية تتعلق بتوزيع السلطة والموارد والاختصاصات، فالاتفاق يحدد النتيجة المطلوبة المتمثلة بمؤسسات وطنية موحدة، لكنه لا يحلّ بمفرده جميع الخلافات السياسية التي تقف وراء استمرار الانقسام المؤسسي.

ولهذا فإن الانتقال من النص إلى التنفيذ سيحتاج إلى تفاهُمات لاحقة بشأن الترتيبات المؤسسية والأمنية والمالية، وهي ملفات ظلت في صُلْب الانقسام الليبي خلال السنوات الماضية.

- إعادة تشكيل مجلس المفوضية تُمثّل شرطاً مؤسسياً ضرورياً، لكنها لا تختزل عملية التحضير للانتخابات؛ لأن المفوضية ستحتاج بعد استكمال تشكيل مجلسها إلى تحويل القواعد القانونية الجديدة إلى إجراءات تنفيذية، بما في ذلك تحديث السجلات الانتخابية، وإعداد الجداول والإجراءات الفنية، وتوفير الكوادر والمراكز الانتخابية، ووضع ترتيبات أمنية ولوجستية تسمح بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في بيئة سياسية وجغرافية منقسمة.

- المهلة المحددة بـ 24 شهراً يمكن اعتبارها إطاراً زمنياً لتنفيذ سلسلة مترابطة من الخُطوات، وليس مجرد موعد نهائي يمكن بلوغه بمجرد استكمال التعديلات القانونية. وهذا يَتَّسِق مع خارطة الطريق الأممية التي تربط الإطار الانتخابي بالجاهزية التشغيلية للمفوضية وبقضايا الأمن والحوكمة والاقتصاد والمصالحة.

ثالثاً: السيناريوهات المحتملة

يمكن استشراف عدد من المسارات المحتملة استناداً إلى الديناميكيات الداخلية ومنطق الاتفاق وآليات تنفيذه، وفق الآتي:

1. استكمال الاتفاق

يُعَدّ السيناريو الأكثر إيجابية، حيث يتم استكمال التوافقات المؤسسية المتبقية خلال فترة قصيرة، وتُنشأ على إثره آلية المتابعة وتباشر عملها التنفيذي دون تأخير، ويجري رسمياً تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات الجديد، بالتوازي مع نجاح المفاوضات في التوصل إلى سلطة تنفيذية انتقالية موحدة تحظى بقبول السلطات في شرق البلاد وغربها.

وفي ظلّ هذه الظروف، يمكن أن تتقدم الاستعدادات الفنية والأمنية اللازمة لإجراء الانتخابات بالقدر الذي يسمح بتنظيمها ضِمن الإطار الزمني المحدَّد بـ 24 شهراً أو قريباً منه.

2. التنفيذ الجزئي

يتمثَّل هذا السيناريو -وهو الأرجح- في تنفيذ الاتفاق بصورة غير متكافئة، فقد تتم إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتدخل بعض التعديلات القانونية حيز التنفيذ، في حين تؤدي الخلافات حول تشكيل السلطة التنفيذية الموحدة وصلاحياتها -إلى جانب استمرار انقسام الهياكل العسكرية والأمنية- إلى تأجيل إجراء الانتخابات إلى ما بعد الإطار الزمني الأصلي.

وفي هذه الحالة، قد تعود الأطراف إلى بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا للبحث في آلية بديلة، الأمر الذي من شأنه إطالة أمد المرحلة الانتقالية وتوسيع المجال أمام الأطراف التي تعرقل العملية لانتزاع تنازُلات إضافية. كما يمكن أن يؤدي استمرار تحفُّظ المجلس الأعلى للدولة وغيره من الجهات، إلى إبطاء زخم العملية، بالتوازي مع سعي الفاعلين المسلحين إلى حماية نفوذهم.

3. فشل الاتفاق

قد يفقد الاتفاق تدريجياً زخمه تحت وطأة تحديات الشرعية وتعدُّد الأولويات السياسية المتنافسة، وقد يؤدي عدم استكمال المصادقة المؤسسية -مقترِناً بغياب تقدُّم سريع في توحيد المؤسسات- إلى إعادة العملية السياسية إلى نمط مألوف من الجمود.

كما يمكن للمسارات الدبلوماسية الموازية التي تقودها أطراف خارجية أن تشتت الاهتمام بالمسار الذي تُيسِّره الأمم المتحدة، في حين قد تتزايد حالة الإحباط الشعبي إذا بدت الانتخابات مرة أخرى مؤجَّلة إلى أَجَلٍ غير محدَّد. كذلك يظلّ احتمال تجدُّد التوترات الأمنية المحلية قائماً إذا بدأت الأطراف المختلفة بإعادة تموضعها استعداداً لفترة طويلة من عدم اليقين السياسي.

رابعاً: الخُلاصة

ستنتقل الأطراف من التوافق على نصّ إلى اختبار قدرتها على تنفيذ ما ورد فيه، أيْ ستشكل المرحلة المقبلة منعطفاً لمدى استعداد الأطراف لتحويل النصّ الموقَّع إلى خُطوات ملموسة تقود نحو إجراء الانتخابات، أو ما إذا كان الاتفاق سينضم إلى وثائق سابقة لم تتمكن من إحداث تغيير جوهريّ في واقع الانقسام السياسي والمؤسسيّ في ليبيا.

 

 


 

[1]  “UNSMIL welcomes agreement on next steps towards national elections”, United Nations Support Mission in Libya, 30 August 2026. Link

[2] “Agreement of the parties participating in the “Smaller Convening” on implementing the UN-faciliatetd the Political Roadmap”, United Nations Support Mission in Libya, 30 August 2026. Link

[3] “UN Security Council Press Statement on Libya”, United Nations, 8 September 2026. Link

[4] "اتفاق ليبيا تحت الاختبار.. هل يفتح الطريق للانتخابات أم يرحّل الخلاف؟"، الجزيرة نت، 31 أغسطس/ آب 2026. الرابط

[5] "ليبيا: «النواب» و«الأعلى للدولة» يتفقان على استئناف اجتماعات «6+6» في تركيا"، الشرق الأوسط، 11 سبتمبر/ أيلول 2026. الرابط