استهداف ودائع حزب الشعب الجمهوري

استهداف ودائع حزب الشعب الجمهوري

2020-05-17
3837 views
Download PDF

تمهيد:     

طلب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يوم الخميس 14 مايو 2020، بتسريع العمل القانوني لنقل أسهم حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة في بنك "إيش İş Bankası " التركي إلى خزينة الدولة، بحيث يتم إنجاز عملية النقل خلال عشرة أيام. 

وتبلغ قيمة تلك الأسهم 28.9% من مجموع أسهم البنك. وكان الحزب قد ورث هذه الأسهم عن مؤسس الجمهورية والحزب مصطفى كمال أتاتورك، بموجب وصية تركها قبل وفاته عام 1938، على الرغم من أن الوصية تنص على أن تخصص الأرباح لصالح مجمعي اللغة التركية والتاريخ التركي

وينظر أردوغان وحزبه العدالة والتنمية لهذه الأسهم على أنها كسب غير مشروع يخالف قوانين الدستور التركي الخاصة بالأحزاب، والتي تحظر عليها ممارسة التجارة بشكل مباشر أو غير مباشر، فضلًا عن قانون تمويل الأحزاب بطرق غير قانونية، إلا أن الشعب الجمهوري يعتبر المطالبة بنقل أسهمه في بنك "إيش" غير قانونية، وأن الوصية حق شخصي ولا يمكن إصدار قانون لتقويضها

وهذه ليست المرة الأولى التي يُطالب فيها أردوغان أو العدالة والتنمية الحاكم بنقل تلك الأسهم لخزينة الدولة، كما أنها ليست المرة الأولى التي يتم فيها استهداف هذه الأسهم حتى قبل العدالة والتنمية. 

ففي عهد الرئيس عدنان مندريس، الذي كان يترأس الحزب الديمقراطي والذي تسلم زمام الحكم في خمسينيات القرن الماضي، أمر عام 1953 بتحويل ملكية البنك إلى خزينة الدولة كي تكون هي المشرف على تسيير أموره، واعتبر أن أتاتورك حينما ترك الأسهم للشعب الجمهوري حصل في وقت كان الحزب فيه هو الدولة، ولم يكن هناك حزب آخر، أما الآن وقد أصبح هناك تعدد حزبي فالدولة هي التي يجب أن تنظر على الأمر وليس أي حزب آخر. 

وكان الجنرال كنعان إيفرن الذي قام بانقلاب عام 1980 الشهير بتركيا، من جملة من أثاروا هذه القضية، وقام في ذلك الوقت بإلغاء مؤسستي مجمع اللغة التركية والتاريخ التركي، وحول أسهم الشعب الجمهوري في بنك إيش لخزينة الدولة، لتعود مجددًا تلك الأسهم لسابق عهدها بعد 3 سنوات فقط. 

وفي نوفمبر 2018 بدأ المتحدث باسم العدالة والتنمية، عمر جليك، بفتح القضية وطالب بإشراف مؤسسات الدولة على هذه الأسهم التي تعود لأتاتورك، من باب كونها قيمة مشتركة لجميع الشعب، وشدد على أنه لا ينبغي لأي حزب ممارسة التجارة بأي شكل. 

في تلك الأثناء دعا أردوغان لذلك بل وألمح إلى تأييد الحركة القومية لهذا المطلب، وأنه سيساعد في تمرير هذا القانون من البرلمان، وبالفعل أعرب زعيم الحركة القومية، دولت باهجلي، عن استعداد حزبه لدعم أي مقترح قانوني بهذا الخصوص. وموقفه بالأمس لا يختلف عن موقفه اليوم. 

وتمثّل أسهم الشعب الجمهوري في بنك إيش جزءًا كبيرًا من ميزانيته المالية، فضلًا عن أن نقل ملكية هذه الأسهم من الحزب للدولة سيمثل أزمة حقيقية بين الحزبين على المستوى السياسي والشعبي، لأن العديد من أنصار الحزب ينظرون للأمر على أنه إهانة بحق وصية أتاتورك وإرثه المعنوي والمادي

أولاً: خلفية الأسهم     

تقول صحيفة "سوزجو" التركية والمقربة من الشعب الجمهوري، أن أسهم الحزب التي ورثها عن أتاتورك بموجب وصية الأخير، هي في الأصل مساعدات مالية أرسلها مسلمو الهند إلى أتاتورك بشكل شخصي إبان حرب الاستقلال التي كانت تخوضها الدولة العثمانية آنذاك على أكثر من جبهة، وبلغت الأموال آنذاك 675 ألف و494 ليرة تركية، استخدم منها أتاتورك قسمًا بالفعل من أجل الحرب، ومع ذلك بقي نصف تلك الأموال قائمًا عقب تأسيس الجمهورية عام 1923، وبما أن الخلافة التي أرسل مسلمو الهند بموجبها تلك الأموال قد انتهت، تريث أتاتورك تحسبًا لمطالبة الهنود المسلمين بأموال مساعداتهم، لكن حينما لم يصدر عنهم شيء، فكر أتاتورك باستخدام هذه الأموال من أجل مصلحة تركيا الجديدة، فصرف جزءًا منها للزراعة والمؤسسات الزراعية، وقسمًا لوزارة الدفاع، وقسمًا آخر لمؤسسات وقطاعات مهنية، وبقي 250 ألف ليرة أسس بها "بنك إيش" التركي. 

الصحيفة ذاتها تنقل عن مؤرخين قولهم، بأن أتاتورك حينما توفي كان لديه حسابات وأسهم في بنك إيش تبلغ بمجموعها 1,446,872 ليرة تركية، تشمل أموال أتاتورك الشخصية وما بقي من مساعدات الهنود المسلمين، إضافة إلى مبلغ تبرّع به عباس حلمي باشا لصالح الشعب الجمهوري، وبموجب وصية من أتاتورك أمر بجعل هذه النقود وعوائدها السنوية كاملة التي هي الآن تعادل 28.9% من أسهم البنك، لصالح حزب الشعب الجمهوري الذي كان يحكم تركيا منفردًا آنذاك، والذي هو الآن يمثل المعارضة الرئيسية ضد العدالة والتنمية، على أن يخصص أرباح تلك الأسهم لصالح مؤسستي اللغة التركية والتاريخ التركي، لكن في النهاية هذه الأسهم وما يتبعها تحت تصرف الشعب الجمهوري

وطُرح هذا الموضوع مراراً في الوسط السياسي التركي، واستند من يطرحه على فكرة مخالفته لقوانين تمويل الأحزاب وعدم شروعها في التجارة بطريقة مباشرة وغير مباشرة، وأن الدولة هي الأولى بتولي أمر هذه الأسهم.   

وجاء طرح هذه القضية في منتصف عام 2018 عقب الانتخابات الرئاسية، حينما تعرّضت الليرة التركية لأزمة كبيرة، وتجاوزت للمرة الأولى في أغسطس 2018 سقف 4 ليرات مقابل الدولار لتصل إلى أكثر من 7 ليرات

وتقدّر العوائد التي يحصل عليها حزب الشعب من فوائد هذه الأسهم بمليارات الليرات، إلا أن الحزب ينفي حصوله على أيّ من الأرباح التي تحققها تلك الأسهم، ويقول بأنه يخصصها لصالح مؤسستي مجمع اللغة التركية والتاريخ التركي، وفقاً لوصية أتاتورك. لكن حين النظر إلى المناوشات التي طالما حصلت بين الحزب والمؤسستين؛ على خلفية ما تقولا إنه عدم التزام الحزب بتحويل كامل الأرباح لصالحهما، يتبين أنه هناك فجوة في عملية التصرف بالأرباح. 

ولا يملك أي حزب أخرى ودائع أو أسهم مالية مماثلة، بل يخالف هذا الأمر ما ينص عليه الدستور التركي

ثانياً: كيف سيتم تأميم الأسهم     

يشدد العدالة والتنمية وحليفه الحركة القومية على أن المادتين 67 و69 من قوانين الأحزاب في الدستور التركي، تنصان على وجوب عدم ضلوع أي حزب سياسي في أي نشاط تجاري. وحسب محليين أتراك فإنهم يعتقدون أن العدالة والتنمية يحضر لتعديل هذا القانون من خلال إضافة فقرة جديدة تنص على "تحويل أسهم الحزب السياسي في حال امتلكها إلى خزينة الدولة". 

ووفق لتقرير أعدّته صحيفة يني شفق التركية يوم 14 مايو، فإن العدالة والتنمية يناقش تحضيرات اللوائح القانونية التي من شأنها تشريع هذه الخطوة التي لا يمكن لوزارة المالية البت فيها، وحسب الصحيفة فإن العدالة والتنمية بصدد طرح تعديل على المادة 67 من قانون الأحزاب، والتي تنص على حظر ممارسة التجارة على الأحزاب السياسية، لتتم إضافة فقرة جديدة إليها تنص على "تحويل أسهم الحزب السياسي في حال امتلكها إلى خزينة الدولة. 

ثالثاً: أثر التأميم على المشهد السياسي     

يقلل الشعب الجمهوري من أهمية تحرك العدالة والتنمية بهذا الصدد، ويعتبره مخالفًا للقانون، ويشدد على أنه لا يتلقى أي شيء من أرباح الأسهم، وإنما هو مجرد مراقب وحارس لوصية أتاتورك، ومن هذا المنطلق يحتفظ الشعب الجمهوري بحق تعيين أربعة أشخاص من طرفه في مجلس إدارة بنك إيش التركي

فضلًا عن المشهد السياسي سيكون هناك نقاش حاد بين المواطنين على أساس الخلفية الأيديولوجية، حيث تمثل هذه القضية بنظر البعض انتهاكًا لوصية ورغبة أتاتورك

وسيؤدي تأميم الأسهم إلى خسارة حزب الشعب الجمهوري جزءاً أساسياً من موارده المالية، وهو ما سيترك أثره على قدرة الحزب على التحرك السياسي في الفترة المقبلة.   

تتمحور ردود فعل الشعب الجمهوري من نواب برلمانيين ومسؤولين في الحزب على اعتبار القضية غير قانونية، وأن العدالة والتنمية يريد وضع يده على أسهم أتاتورك الموجودة في بنك إيش من أجل الخروج من ورطة أزمته الاقتصادية الواضحة في البلاد. 

كما يسعى الشعب الجمهوري إلى تحويل الأمر لصالحه وذلك من خلال تصريحات من قبيل أن العدالة والتنمية ترك كل الأزمات التي تعاني منها البلاد من تضخم وبطالة وأزمة كورونا وراح يوجه جهوده نحو أسهم أتاتورك