تقييم الدبلوماسية الإيرانية تجاه المحيط الإقليمي العربي

تقييم الدبلوماسية الإيرانية تجاه المحيط الإقليمي العربي

2026-08-31
665 مشاهدة

تتحرك الدبلوماسية الإيرانية حالياً ضِمن بيئة إقليمية شديدة التعقيد مقارنةً بالمراحل السابقة، إذ لم تَعُدْ طهران تدير علاقاتها من موقع يمتلك هامشاً واسعاً للمناورة، وقد تحولت هذه الدبلوماسية نحو محاولة الحفاظ على النفوذ والردع تحت وطأة ضغوط عسكرية واقتصادية متصاعدة.

ويظهر ذلك بوضوح في مواقف المسؤولين الإيرانيين وتحرُّكاتهم، التي تجمع بين تكثيف الاتصالات مع العواصم الإقليمية العربية، وبين توجيه رسائل ردع مباشرة عندما ترى طهران أن مصالحها الأمنية تتعرض لتهديدات وأخطار مرتفعة.

وبالنظر إلى ترجمة الدبلوماسية الإيرانية على أرض الواقع، يبدو أن أولويتها في الخليج تركز على منع تحوُّل دول مجلس التعاون إلى منصات مباشرة للعمل العسكري الأمريكي ضد إيران، مع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع الحكومات الخليجية، أي أن طهران تريد من دول الخليج ممارسة ضغط باتجاه وقف التصعيد الأمريكي، لكنها تسعى أيضاً لإيصال رسالة بأن توسُّع الحرب سيجعل البنية التحتية الحيوية في الخليج جزءاً من كلفة المواجهة.

بيد أن هذا الأسلوب غير متوازن؛ لأنه لا يمنح دول الخليج ثقة بالنوايا الإيرانية لا سيما في ظلّ انقسام القراريْنِ السياسي والعسكري داخل هرم السلطة في إيران، وبالتالي فإن دبلوماسية إيران الحالية مع دول الخليج هدفها الرئيسي إبقاء منطقة الخليج في حالة الضغط بدون الوصول إلى العداء الكامل المُعلَن.

وبالانتقال إلى الساحة العراقية، يكشف المشهد عن مستوى مختلف تماماً من التدخل، إذ يمتلك النفوذ الإيراني جذوراً هيكلية وعميقة تتجاوز الأُطُر الدبلوماسية التقليدية، حيث تمثل بغداد العمق الإستراتيجي الأهم لطهران، وتستند هذه الأهمية إلى شبكة واسعة من التحالفات السياسية والأمنية المتجذرة بقوة في بنية النظام العراقي.

ورغم سعي بعض الأطراف الرسمية في بغداد لإحداث توازُن نسبي يُجنّب البلاد تداعيات الصراع، يبقى الحضور الإيراني القوي هو المحرك الفعلي للعديد من التوازنات الداخلية والقرارات الإستراتيجية.

وهذا يعني أن الدبلوماسية الإيرانية لا تتعامل مع العراق كمجرد وسيط أو قناة اتصال عابرة، بل كساحة نفوذ صلبة توفر لطهران أوراق قوة حقيقية تستخدمها لتثبيت موقعها في أي تفاوض إقليمي أو دولي.

في لبنان تحاول إيران الحفاظ على موقعها السياسي والأمني من دون أن تتحول المواجهة حول نفوذها إلى مواجهة مباشرة بينها وبين الدولة اللبنانية، وتكشف التقديرات أن طهران تعاملت مع لبنان خلال المرحلة الأخيرة باعتباره إحدى أوراق النفوذ التي يمكن أن تؤثر في أيّ تفاوُض أوسع مع الولايات المتحدة، وهو ما يجعل الساحة اللبنانية مرتبطة في الحساب الإيراني بالتفاوض الإقليمي الأوسع، وليس فقط بالتطورات الداخلية اللبنانية.

غير أن هذا المسار يواجه تغيُّراً في البيئة اللبنانية نفسها، مع تصاعُد النقاش الرسمي حول حصرية السلاح بيد الدولة، ومحاولة السلطات اللبنانية إعادة تعريف موقع المؤسسات الرسمية في ملفات الأمن والسياسة الخارجية، مما يَحُدّ من قدرة الدبلوماسية الإيرانية على تثبيت موقف حزب الله وموقعه السياسي والأمني في المعادلة اللبنانية.

بينما تبرز سوريا كحلقة مهمة في تحديد مستقبل الحركة الإيرانية في بلاد الشام، فالتحولات السياسية والأمنية فيها تعني أن إيران فقدت جزءاً من البيئة التي كانت تسمح لها باستخدام الأراضي السورية كعمق جغرافي متصل بالعراق ولبنان. وهذا الواقع يفرض بدوره على الدبلوماسية الإيرانية التعامل مع بيئة تتطلب قنوات تواصل جديدة، إذ لم يَعُد الاعتماد على الحلفاء التقليديين كافياً لضمان استمرار التأثير.

وبالنسبة لسياسات طهران تجاه الأردن، فهي تتسم بالتصعيد المستمر، وقد قامت مؤخراً في 31 أغسطس/ آب 2026 بمهاجمة قوات أمريكية في قاعدتَيْ الملك حسين والأزرق في الأردن، رداً على قصف أمريكي لجزيرة لارك.

وتوجه طهران نحو التصعيد المستمر مع عمّان مدفوعةً بعدم وجود مصالح أو شبكة نفوذ قوية للأولى هناك، لذلك يميل النهج الإيراني إلى اعتبار الأردن نقطة تصعيد مجاورة لإسرائيل أكثر من التوجه إلى تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية معها. 

من جهة أخرى المحدِّد الاقتصادي يشكل بدوره عاملاً مركزياً في الدبلوماسية الإيرانية؛ لأن العقوبات الأمريكية وتراجع عائدات النفط واضطراب الملاحة تجعل طهران أكثر حاجة إلى الحفاظ على علاقات عملية مع الدول المجاورة، حتى عندما تكون الخلافات السياسية عميقة، لكن الضغوط الأمريكية على المؤسسات المالية والشركات والدول التي تتعامل مع إيران تقلص قدرتها على تحويل علاقاتها السياسية إلى مكاسب اقتصادية مستقرة.

ومن هذه الزاوية تبدو الدبلوماسية الإيرانية في الخليج والمحيط الإقليمي تتحرك بين مسارين متوازيين يتمثلان بتخفيض احتمالات المواجهة مع دول الجوار، ومنع هذه الدول من التحول إلى أدوات ضغط عليها، مع الإبقاء على القدرة على الرد العسكري إذا تجاوزت التهديدات مستوى معيناً.

أيضاً يبدو أن الدبلوماسية الإيرانية الحالية وظيفتها الأساسية في المرحلة الراهنة تبدو أقرب إلى إدارة الخسائر، والحفاظ على قنوات الاتصال، ومنع تشكُّل جبهة إقليمية موحدة ضدّ طهران، إلى جانب الإبقاء على أوراق تفاوضية تسمح لها بالدخول في أيّ تسوية مستقبلية من موقع قادر على التأثير.

ومستقبلاً إذا أدى استمرار الضغط العسكري والاقتصادي على إيران إلى تحويل دول الخليج والعراق وبلاد الشام إلى مساحات تسعى بصورة متزايدة إلى تقليص ارتباطها بها، فإن هامش الحركة الإيراني سيتراجع تدريجياً، وسوف تزداد عزلة عن محيطها الإقليمي العربي، وهو ربما ما يتناسب مع خطة الحصار الاقتصادي التي أقرتها الإدارة الأمريكية وأسمتها بـ "المنبوذ الاقتصادي".