تيغراي من التسوية الهشّة إلى المواجهة الجديدة

تيغراي من التسوية الهشّة إلى المواجهة الجديدة

2026-09-30
1265 مشاهدة

   

يشهد شمال إثيوبيا منذ أواخر سبتمبر/ أيلول 2026 تصعيداً عسكرياً وسياسياً يمثل أخطر انتكاسة لمسار السلام الذي أطلقه اتفاق بريتوريا منذ توقيعه في نوفمبر/ تشرين الثاني 2022. وقد أعادت التطورات الأخيرة القتال بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيغراي إلى الواجهة.  

بدأ التحول الجديد عندما أعلنت سبع جماعات مسلحة إثيوبية تشكيل التحالف الإثيوبي لقوى الشعب من أجل البقاء، المعروف اختصاراً بتحالف قوى البقاء. وأن الهدف يتمثل في إسقاط حكومة رئيس الوزراء أبي أحمد والعمل على إقامة ترتيبات انتقالية أكثر شمولاً.  

وانتقل التحالف من إطاره السياسي إلى الميداني ففي 23 سبتمبر/ أيلول 2026، سيطرت قوات دفاع تيغراي على مطارات ميكيلي وأكسوم وشيري في إقليم تيغراي، ما أدى إلى تعطيل حركة الطيران المدني في الإقليم. وتزامن ذلك مع اتساع نطاق المواجهات لتشمل مناطق من إقليمَيْ عفار وأمهرة ولا سيما المحاور المتاخمة لتيغراي.  

وحول دوافع تجدُّد التوتر بين الحكومة الإثيوبية وإقليم تيغراي يمكن تلخيص أهم أسبابها وفق ما يَلِي:  

1. أوقف اتفاق بريتوريا العمليات العسكرية واسعة النطاق، لكنه لم يضع حلولاً نهائية لعدد من القضايا، وفي مقدمتها وضع إقليم تيغراي، وعودة النازحين، وانسحاب القوات غير الفيدرالية، وترتيبات نزع السلاح، ومستقبل العلاقة السياسية بين جبهة تحرير تيغراي والحكومة المركزية بأديس أبابا.  

2. سيطرت قوات الحكومة الإقليمية الأمهرية بمساندة ميليشيات عرقية على أجزاء من منطقة غرب تيغراي خلال الحرب السابقة، ونزح مئات الآلاف من سكان تيغراي منها. وتطالب قيادة جبهة تحرير تيغراي بإعادة المنطقة والسماح للنازحين بالعودة، بينما ترفض قطاعات واسعة في أمهرة هذه المطالب وتتمسك برواية مختلفة بشأن الوضع التاريخي والإداري للمنطقة. وقد بقي هذا الخلاف من دون تسوية نهائية، رغم توقُّف الحرب المفتوحة بين القوات الفيدرالية وقوات تيغراي.  

3. ظلّ ملفّ نزع السلاح موضع خلاف بين الطرفين، فالحكومة الفيدرالية تتهم قوات تيغراي بعدم تنفيذ التزاماتها المتعلقة بتسليم الأسلحة بصورة كاملة، بينما ترى قيادة تيغراي أن تنفيذ الاتفاق كان انتقائياً، خصوصاً فيما يتعلق بانسحاب القوات الأخرى من المناطق المتنازَع عليها.  

4. أعلنت جبهة تحرير تيغراي في يوليو/ تموز 2026 أن اتفاق بريتوريا أصبح عملياً منتهياً، وكان ذلك نتيجة خلافات بَيْنية متصاعدة بين الإدارة المؤقتة لإقليم تيغراي التي تمّ الاتفاق على تشكيلها وفق اتفاق بريتوريا وبين التيارات المحافظة المتشددة داخل الجبهة التي رأت أن الاتفاق مجرد حبر على ورق ما دفعها إلى استعادة نفوذها على إدارة إقليم تيغراي، والتوجه نحو إنهاء التزامات اتفاق بريتوريا.  

5. مخرجات الانتخابات العامة الإثيوبية التي حصلت في يونيو/ حزيران 2026 والتي أفضت إلى فوز حزب الازدهار الحاكم الذي يقوده رئيس الوزراء أبي أحمد بغالبية الأصوات، وهو ما شكّل عاملاً إضافياً لتداعي الثقة حيث ساد اعتقاد لدى قيادات جبهة تيغراي بأن التوجه المقبل لحكومة أديس أبابا سيكون تسوية الوضع في تيغراي حتى ولو كانت بأساليب خشنة، لذلك سارعت بتوجيه الضربة الاستباقية وإعلان التصعيد الميداني.   

بالتالي إن التوتر الحالي يُعَدّ نتيجة لتراكم مشاكل أمنية وسياسية أكثر منه انفجاراً مفاجئاً، فقد رأت قيادة تيغراي أن استمرار الوضع القائم من دون معالجة القضايا العالقة يترك الإقليم في حالة هشاشة، بينما تنظر الحكومة الفيدرالية إلى إعادة بناء القدرات العسكرية والسياسية لجبهة تحرير تيغراي باعتبارها تحدياً مباشراً لسلطة الدولة المركزية.  

اتساع الجبهات يفرض معادلة صعبة على الحكومة حيث إن التصعيد العسكري قد يردع خصومها على المدى القصير، لكنه قد يدفع في الوقت نفسه جماعات متباينة إلى مزيد من التنسيق، وبالمقابل إن أيّ تراجُع ميداني قد يُعتبر مؤشراً على ضعف قدرة المركز على فرض سلطته، لذلك ستصبح إدارة التصعيد ـوليس الحسم العسكري وحده- العامل الأكثر تأثيراً في المرحلة المقبلة.