فلول نظام الأسد في لبنان ومسارات نشاطها الأمني
2026-09-261582 مشاهدة
Download PDF
مقدمة
تحوّل ملفّ الضباط والعناصر والشخصيات المرتبطة بنظام بشار الأسد الموجودة في لبنان من مسألة تتعلق بلجوء شخصيات سياسية وأمنية وعسكرية إلى الأراضي اللبنانية، إلى تحدّ أمني وقضائي وسيادي متعدد المستويات.
وتكمن الخطورة الأساسية في أن وجود أفراد من النظام السابق داخل لبنان يمكن أن يؤدي إلى تشكُّل شبكات حماية وتمويل واتصال تسمح لبعضهم بإعادة بناء قدرات تنظيمية أو أمنية، إلى جانب إمكانية استخدام لبنان كمساحة خلفية للتحرك باتجاه سوريا.
وتكشف المعطيات الرسمية أن عدداً من ضباط نظام الأسد لجؤوا إلى لبنان وتمكنوا من تأمين قدرات الإيواء والنقل والتمويل والتدريب، فضلاً عن الاستفادة من شبكات وعلاقات مختلفة ساعدتهم على الاستقرار والتحرك، ما يجعل هذه القضية حالة اختبار تكشف مدى قابلية البيئة اللبنانية للاستخدام عبر تحويل أراضيها إلى مساحة لأنشطة تهدد أمنها وأمن دول الجوار.
المقاربة اللبنانية الحالية تتجه تدريجياً من غض النظر أو المعالجة الفردية إلى مقاربة أكثر مؤسساتية، تقوم على التنسيق الأمني مع دمشق، وتوقيف المطلوبين عند توافر أدلة، واستخدام الاتفاق القضائي "اللبناني–السوري" في ملفات التسليم.
وقد سجل هذا المسار سابقة مهمة في أغسطس/ آب 2026 بتسليم اللواء السابق عادل عيسى إلى السلطات السورية استناداً إلى اتفاق التعاون القضائي لعام 1951. كما بات التنسيق الأمني بين البلدين -ويشمل مكافحة الإرهاب وتبادُل المعلومات وضبط الحدود- أكثر فاعلية. لكن هذا التحول لا يزال أبطأ من تطوُّر التهديد نفسه، لا سيما أن التحدي الفعلي أمام الدولة اللبنانية يتمثل بضرورة بناء منظومة تمنع تحوُّل لبنان لمسرح عمليات خارجية [1] .
أولاً: الوجود المرتبط بفلول النظام السابق
الوجود المرتبط بعناصر النظام السوري السابق في لبنان لا يقتصر على شكل واحد، بل يتدرج من أشخاص دخلوا البلاد بعد سقوط النظام، إلى مطلوبين أو مشتبه بارتكابهم جرائم، وصولاً إلى شبكات تؤمّن الإيواء والدعم اللوجستي، وفي بعض الحالات إلى أنشطة تتصل بالتنظيم والتدريب والتحرك عبر الحدود، ويمكن تحديد ذلك وفق الآتي:
1. يوجد شخصيات مدنية وعسكرية وأمنية سابقة فرّت من سوريا بعد انهيار النظام، واختارت لبنان لأسباب جغرافية أو عائلية أو سياسية، ووجود هذه الفئة لا يعني تلقائياً وجود نشاط أمني، ولذلك لا يمكن للدولة اللبنانية التعامل معهم جميعاً بوصفهم أهدافاً أمنية.
2. المطلوبون أو المشتبه بهم بجرائم أمام القضاء السوري أو تحوم حول بعضهم شبهات تتعلق بجرائم أو انتهاكات ارتُكبت خلال عهد النظام السابق، وفي هذه الحالات ينتقل الملف من مجرد وجود أفراد على الأراضي اللبنانية إلى مسار قضائي يتطلب طلبات رسمية وأدلة، مع مراعاة الأُطُر القانونية والاتفاقيات التي تنظم مسألة التسليم.
3. شبكات الدعم المحلي، التي تتضمن أفراداً أو جهات تؤمِّن مساكن وتنقلات وأوراقاً واحتياجات مالية ولوجستية لضباط وعناصر النظام السابقين، هذه الحلقة هي الأكثر أهمية من منظور الأمن اللبناني؛ لأنها تمنح الموجودين القدرة على الاستمرار والحركة بعيداً عن رقابة الدولة.
4. التنظيمات التي تمكنت من تجميع بعضها بعضاً والحصول على موارد مكنتها من إدخال عناصر عبر الحدود وتدريبهم وتزويدهم بالسلاح، ثم تمت إعادة نقلهم إلى سوريا، وتنشط مثل هذه التنظيمات بصورة رئيسية في عكار والضاحية.
ثانياً: العوامل التي تسهّل تحرُّك فلول النظام السوري داخل لبنان
- العامل الأول هو الجغرافيا، حيث إن الحدود اللبنانية السورية طويلة ومعقدة، وتضم طرقاً جبلية ومعابر غير شرعية وشبكات تهريب قديمة سبقت سقوط النظام السوري بسنوات.
- العامل الثاني هو التشابك الاجتماعي والعائلي والاقتصادي بين جانبَي الحدود، ولا سيما في عكار والبقاع وبعض المناطق الشمالية، إذ إن هذا التشابك يجعل التمييز بين الحركة المدنية الطبيعية والحركة الأمنية المنظمة أكثر صعوبة.
- العامل الثالث هو إرث العلاقة بين النظام السوري السابق وشبكات سياسية وأمنية لبنانية نشأت خلال عقود الوجود والنفوذ السوري في لبنان، وحتى بعد سقوط النظام في دمشق لم يؤدِّ ذلك إلى اختفاء هذه الروابط، بل ترك جزءاً منها بلا مركز رسمي.
- العامل الرابع هو التعدد الأمني والسياسي اللبناني، فعلى الرغم من التحسن في التنسيق بين الأجهزة النظامية، يبقى وجود مناطق ذات نفوذ حزبي أو اجتماعي قوي، إضافة إلى تعدُّد الأجهزة الأمنية، وهذا يشكل عاملاً يمكن أن تستفيد منه الشبكات.
- العامل الخامس يرتبط بانتشار التعامل النقدي في لبنان، ما يتيح تأمين مبالغ صغيرة لتمويل السكن والتنقل والمصاريف اليومية من دون استخدام الحسابات المصرفية في كل عملية، وهو ما قد يصعب على الأجهزة المعنية تتبُّع حركة هذه الأموال ومصادرها.
وبالرغم مما سبق يمكن اعتبار أن اجتماع هذه العوامل لا يعني أن لبنان يشكل مركزاً لقيادة هذه الشبكات، بقدر ما يجعله مساحة يمكن استخدامها لتأمين الإقامة والحركة والتمويل والاتصال لذلك؛ فإن الخطر الأمني يرتبط باحتمال استخدام الأراضي اللبنانية كحلقة وصل بين عناصر موجودة في سوريا وأخرى في الخارج، أو كمساحة مؤقتة لإعادة تنظيم الأفراد وتوفير الاحتياجات اللوجستية لهم.
ثالثاً: تعامُل الدولة اللبنانية مع الملفّ
في المرحلة الأولى، غلب على التعامل الطابع الحَذِر حيث لم تكن الدولة ترغب في تحويل وجود مسؤولي النظام السابق إلى أزمة شاملة مع دمشق، ولا في الدخول في عمليات تسليم جماعية يمكن أن تثير نزاعات قانونية وسياسية داخلية.
لكن العلاقة الأمنية بين الدولتين شهدت تحوُّلاً تدريجياً، بعد مطالبة دمشق للحكومة اللبنانية رسمياً بتسليم المطلوبين وعلى إثر ذلك حصلت عدة لقاءات توصلت إلى تفاهمات أمنية وقضائية لإدارة هذا الملف، وقد اعتمدت بيروت مقاربة قانونية تقوم على أن التسليم لا يتم بناءً على طلب سياسي مجرد، بل عبر الأُطُر القضائية القائمة.
ويشكل اتفاق التعاون القضائي في عام 1951 بين البلدين الأساس القانوني الرئيسي لهذا المسار حيث لا يوجد مانع مبدئي من تسليم شخص متهم أو محكوم، بشرط استيفاء الملف للشروط القانونية [2] ، وقد شكّل تسليم اللواء عادل عيسى في أغسطس/ آب 2026 أول اختبار عملي بارز لهذه السياسة، وأظهر أن بيروت مستعدة للانتقال من التعاون النظري إلى التسليم الفعلي عندما تتوافر قاعدة قضائية واضحة.
رابعاً: متطلبات تطوير التعاطي اللبناني
تكمن فجوات المقاربة الحالية في أن السياسة اللبنانية لا تزال تفاعلية أكثر منها استباقية، إذ تتحرك الأجهزة غالباً بعد ظهور معلومات عن شخص أو شبكة، بدلاً من امتلاك قاعدة موحدة تصنف الضباط والعناصر السابقين الموجودين في لبنان بحسب مستوى الأخطار.
ويزداد تعقيد هذا الملف بسبب الخلط بين ثلاثة مسارات مختلفة، هي ملف اللاجئين والوجود السوري العام، وملف المطلوبين قضائياً، وملف الشبكات الأمنية، الأمر الذي قد يحول أي حملة تستهدف شبكات فعلية إلى خطاب جماعي ضد السوريين، ويصعّب في الوقت نفسه العمل الاستخباراتي الدقيق.
كما أن تعدُّد الجهات اللبنانية المعنية بالملف، من الجيش وشعبة المعلومات والأمن العامّ وأمن الدولة والجمارك إلى الجهات القضائية، يفرض الحاجة إلى دمج المعلومات المتوافرة لديها ضمن صورة عملياتية واحدة؛ لأن بقاء البيانات موزعة بين أكثر من جهاز قد يخلق فجوات تستفيد منها الشبكات للتحرك بينها.
ويُضاف إلى ذلك البُعد السياسي الداخلي، إذ إن أيّ تحقيق يصل إلى لبنانيين أو قوى محلية قدمت إيواء أو نقلاً أو حماية قد يتحول سريعاً إلى اشتباك سياسي وطائفي، بما يرفع كلفة استكمال التحقيق ويزيد فرص تسريب المعلومات أو تعطيل بعض المسارات.
كذلك لا يمكن التعامل مع الملف باعتباره لبنانياً وسورياً فقط، إذ أظهرت التحقيقات الأخيرة أن بعض شبكات النظام السابق تتجاوز حدود البلدين، وقد تمتد اتصالاتها إلى أشخاص يقيمون في روسيا أو دول أخرى، ما يجعل التعاون الدولي جزءاً أساسياً من معالجة هذه الظاهرة.
وفي هذا السياق، تبدو الأولوية أمام الدولة اللبنانية في إنشاء ملف مركزي وطني موحد عن عناصر النظام السوري السابق الموجودين في لبنان، بإدارة أمنية مشتركة وتحت إشراف قضائي، بدلاً من استمرار وجود قوائم متفرقة لدى الأجهزة المختلفة، على أن يتيح هذا الملف التمييز بين الوجود المدني غير الأمني، والمطلوبين قضائياً، والمشتبه بارتباطهم بشبكات دعم، والمشتبه بممارستهم نشاطاً مسلحاً أو استخباراتياً، بما يسمح بفصل العمل الأمني عن مجرد الانتماء السياسي السابق.
كما أن التعامل مع هذه الشبكات لا ينبغي أن يقتصر على ملاحقة الأفراد، بل يجب أن يركز على البنية التي تسمح لهم بالتحرك، بما يشمل الأشخاص الذين يوفرون الإيواء أو النقل والحماية، والجهات التي تؤمن التمويل، والمواقع التي تستخدم للتدريب، إذ إن تفكيك هذه البنية قد يكون أكثر فاعلية من توقيف أفراد يمكن استبدالهم بسهولة.
ويحتاج ذلك بالتوازي إلى تطوير آلية قضائية لبنانية سورية أكثر سرعة ووضوحاً لمعالجة طلبات التسليم، من خلال قناة تقنية دائمة بين وزارتي العدل والنيابات العامة والأجهزة المختصة، تتيح تقييم كل ملف وفق معايير موحدة وفي مدة زمنية معقولة.
كذلك يتطلب الأمر تعزيز الرقابة المالية بطريقة أكثر دقة، خصوصاً أن الشبكات الصغيرة قد تعتمد على مبالغ محدودة ومدفوعات نقدية لا تظهر في النظام المصرفي التقليدي؛ ولذلك ينبغي ربط التحقيقات المالية ببيانات الاتصالات وحركة السيارات والإيجارات والمشتريات اللوجستية، بدلاً من انتظار تحويلات مصرفية كبيرة.
أما التعاون الأمني مع دمشق، فلا يزال يحتاج إلى قواعد واضحة تضمن التحقق المستقل من المعلومات الواردة، بحيث لا يتحول التعاون إلى تسليم تلقائي للمعلومات أو الأشخاص، في وقت ينبغي فيه تطوير مراقبة الحدود من مجرد التركيز على السيطرة على المعابر إلى تحليل الشبكات التي تقف خلف حركة الأشخاص، من المهربين والوسطاء إلى السيارات والمنازل ونقاط الاتصال التي تتكرر في أكثر من ملف؛ لأن النشاط لا يتوقف عند عبور الحدود بل يمتد إلى سلسلة الانتقال داخل لبنان.
وتبقى أمام الدولة اللبنانية تحديات أساسية، في مقدمتها تحقيق التوازن بين المتطلبات الأمنية وسيادة القانون، إذ إن التعاون مع دمشق قد يكون ضرورياً من الناحية الأمنية، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى عودة للنموذج السابق الذي كانت فيه الأجهزة السورية قادرة على فرض قوائم مطلوبين على الدولة اللبنانية.
كما أن إبقاء الملف ضمن الإطار القضائي والأمني يشكل تحدياً في ظل احتمال تسييسه داخلياً، سواء من خلال استخدام ملف فلول النظام لتصفية حسابات سياسية أم التعامل مع العمليات الأمنية باعتبارها استهدافاً سياسياً.
خامساً: السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار عمليات أمنية متفرقة تكشف تباعاً مجموعات صغيرة وشبكات إيواء وتمويل، مع توسع التنسيق اللبناني السوري.
ويستند هذا السيناريو إلى طبيعة الشبكات التي يجري كشفها حتى الآن، والتي تبدو أقرب إلى مجموعات متفرقة تعتمد على علاقات محلية وشبكات دعم محدودة، أكثر من كونها جزءاً من قيادة مركزية قادرة على إدارة عمليات واسعة ومنسقة.
وفي حال استمرار هذا النمط، فمن المرجح أن يبقى الملف مفتوحاً لسنوات، مع انتقال النشاط من مجموعة إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى، وظهور أسماء وشبكات جديدة كلما تقدمت التحقيقات وكُشفت حلقات إضافية في سلسلة التمويل والإيواء والنقل.
إلا أن استمرار العمليات الأمنية لا يعني بالضرورة تصاعُد مستوى التهديد بصورة مستمرة، إذ إن قدرة الدولة اللبنانية على تفكيك شبكات الدعم وملاحقة مصادر التمويل والوسطاء يمكن أن تحد من قدرة هذه المجموعات على إعادة تنظيم نفسها، خصوصاً إذا ترافقت الإجراءات الأمنية مع تعاون قضائي منظم وتبادل للمعلومات مع الجانب السوري.
بينما السيناريو الأخطر هو انتقال النشاط من شبكات متناثرة إلى منظومة عملياتية منظمة بالتعاون مع جهات داخلية لبنانية وبالاستفادة من دعم خارجي بما يجعلها قادرة على نقل الأفراد والمال والسلاح بين لبنان وسوريا بصورة منتظمة، وقد يتطور هذا المسار، في حال توافرت له الظروف والموارد، إلى تشكيل مجموعات مسلحة ذات طابع مرتزق تتجاوز مهمتها النشاط داخل سوريا إلى تنفيذ عمليات في ساحات أخرى.
سادساً: الخلاصة
التهديد الذي يواجه لبنان لا يتمثل في فلول الأسد ككتلة بشرية، وإنما في إعادة تشبيك أجزاء من أجهزة النظام السابق وشبكاته داخل بيئة لبنانية ما زالت تحتوي على ممرات وحدود وشبكات علاقات تاريخية يمكن استثمارها.
حتى الآن يبدو أن الدولة اللبنانية انتقلت إلى مرحلة أكثر جدية في التعامل مع الملف، مدفوعة بتحسن العلاقة مع دمشق وبظهور وقائع أمنية تثبت أن جزءاً من النشاط تجاوز مجرد الإقامة.
غير أن نجاحها يتوقف على الانتقال من معالجة الحالات إلى إدارة الأخطار بناء على إستراتيجية أمنية تمكن الأجهزة اللبنانية من تصنيف الأخطار، واستهداف شبكات التمويل والإيواء، ووضع آلية قضائية سريعة، وضبط الحدود وفق منطق استخباراتي لا جغرافي فقط.
بهذه المقاربة يمكن لبيروت تحويل ملف الفلول من مصدر توتُّر مع دمشق وتهديد للأمن الداخلي إلى أحد الملفات التي تعيد من خلالها تعريف العلاقة اللبنانية السورية على أساس سيادة الدولتين وتبادُل المصالح الأمنية، بدلاً من العودة إلى نموذج الهيمنة الذي حكم العلاقةَ بينهما لعقود.
[1] "دمشق طالبت لبنان بتسليم العشرات من فلول الأسد في قائمتين"، الشرق الأوسط، 2 سبتمبر/ أيلول 2026. الرابط
[2] "قرار لبنانيّ حكوميّ سلّم السوريين الفارّين مرقص: تعاون قضائي منذ 1951"، النهار، 31 ديسمبر/ كانون الأول 2024. الرابط




