هل يتكرر سيناريو هرمز؟ التحدِّيَات الأمنية بالبحر الأحمر تُهدّد الاقتصاد العالمي

هل يتكرر سيناريو هرمز؟ التحدِّيَات الأمنية بالبحر الأحمر تُهدّد الاقتصاد العالمي

2026-07-04
331 مشاهدة

مع استمرار حالة السيولة الأمنية في الممرات المائية، يتزايد القلق الدولي حول مضيق باب المندب كونه بات يُشكّل نقطة حَرِجة قد تُلقي بظلالها على الأسواق وسلاسل التوريد العالمية.

مركز أبعاد يستعرض ترجمة تحليلية موسعة لتقرير مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي (CFR)، المنشور في 24 يونيو/ حزيران 2026، والذي يناقش الأبعاد الإستراتيجية لأخطار التصعيد في البحر الأحمر، بالإضافة إلى استشراف التداعيات المحتملة.

نص الترجمة

يُعَدّ البحر الأحمر شرياناً حيوياً لتدفق التجارة العالمية، لكن الحوثيين المتمركزين في اليمن وتداعيات الحرب الإيرانية يهددون بخنق الممر المائي في الشرق الأوسط، مما يحمل عواقب وخيمة على الاقتصاد العالمي.

وعلى الرغم من أن مضيق هرمز، الذي كان مغلقاً أمام حركة الملاحة البحرية منذ أواخر فبراير/ شباط 2026، يبدو أنه يُعاد فتحه ببطء كجزء من اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، إلا أن المخاوف لا تزال قائمة بشأن أمن نقطة اختناق بحرية إقليمية أخرى في البحر الأحمر، وهي مضيق باب المندب.

في 8 يونيو/ حزيران 2026، أعلن الحوثيون المدعومون من إيران حظراً كاملاً على السفن الإسرائيلية التي تعبر البحر الأحمر، واصفين إياها بأنها أهداف عسكرية مشروعة، وجاء هذا الإعلان بعد تهديد مسؤولين إيرانيين في إبريل/ نيسان 2026 بعرقلة التجارة في الممر المائي إذا أبقت إدارة ترامب على حصارها البحري على إيران. وقد رُفع الحصار منذ ذلك الحين، لكن المخاوف بشأن إغلاق الممر المائي لا تزال قائمة.

لماذا يكتسب البحر الأحمر أهمية إستراتيجية؟

تصف المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة البحر الأحمر بأنه أحد أكثر الطرق البحرية أهمية لتمكين التجارة العالمية. ويمر عبر الممر المائي سنوياً ما بين 12-15% من التجارة المنقولة بحراً، وحوالي 30% من حركة الحاويات العالمية، حيث ينقل المنتجات الزراعية مثل الحبوب والأسمدة، والمواد الخام كالخامات والمعادن، والمكونات الصناعية مثل الإلكترونيات، وقطع غيار السيارات، وموارد الطاقة.

وقد مر حوالَيْ 4.9 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمنتجات البترولية عبر قناة السويس وخط أنابيب سوميد (قناة السويس-البحر الأبيض المتوسط) في النصف الأول من عام 2025 وكِلاهما يقعان في الطرف الشمالي للبحر الأحمر.

ووفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، فقد عبر نحو 4.2 مليون برميل يومياً عبر مضيق باب المندب، في الطرف الجنوبي للبحر الأحمر، وشكلت شحنات النفط عبر هذه الطرق الثلاثة مجتمعة حوالَيْ 6% من إجمالي النفط المتداول بحراً خلال تلك الفترة، وبالمقارنة بلغ متوسط تدفقات النفط عبر مضيق هرمز قرابة 21 مليون برميل يومياً في نفس الفترة.

ويُعتبر البحر الأحمر أيضاً نقطة اختناق رقمية، حيث تشير التقديرات إلى أن 90% من كابلات الألياف الضوئية البحرية التي تربط بين أوروبا وآسيا تمر عبر هذا الممر المائي، وتمثل هذه الكابلات بنية تحتية سيادية حرجة تحت الماء لا تقل أهمية عن طرق النفط والتجارة. وقد تسبب الأضرار السابقة التي لحقت بها في انقطاعات كبيرة في الاتصال بالإنترنت في جميع أنحاء المنطقة.

ومع استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز، من الممكن أن يتحول البحر الأحمر إلى نقطة الاختناق التالية في الحرب إذا استغلت إيران الحوثيين كقوة بالوكالة لمحاصرة الحركة البحرية في مضيق باب المندب.

ما طبيعة أدوار الفاعلين المؤثرة على مستقبل الملاحة في باب المندب؟

سلطت هجمات الحوثيين السابقة في البحر الأحمر الضوء على الأخطار الاقتصادية، فقد أدى رد فعل الجماعة على الحرب بين إسرائيل وحماس إلى تعطيل حركة الملاحة البحرية في مضيق باب المندب، مما تسبب في انخفاض شحنات النفط بأكثر من النصف، من 9.3 مليون برميل يومياً في عام 2023 إلى 4.1 مليون برميل يومياً فقط في عام 2024. وتشارك العديد من الجهات الفاعلة الإقليمية والخارجية الرئيسية في البحر الأحمر، وفق ما يلي:

1. الحوثيون: بدأت الجماعة المتمركزة في اليمن، باستهداف الملاحة الإسرائيلية والدولية في البحر الأحمر في أواخر عام 2023 رداً على الحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة. وأعلنت عن وقف الهجمات على السفن غير الإسرائيلية في أعقاب وقف إطلاق النار في غزة، لكن رغم ذلك فإن الهجمات على الشحن في البحر الأحمر قد تستأنف إذا تصاعدت الأعمال العدائية الإقليمية أو انهارت جهود وقف إطلاق النار.

2. إيران: تستخدم طهران البحر الأحمر لإبراز القوة، وتعطيل التجارة العالمية، وتحدي النفوذ الغربي في المنطقة. ورداً على الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية، هدد المسؤولون الإيرانيون باستخدام الحوثيين لإغلاق مضيق باب المندب، وتُعَدّ إيران الممول الرئيسي للحوثيين، حيث تقدم لها المساعدة الأمنية بما في ذلك نقل الأسلحة، والتدريب، والدعم الاستخباراتي.

3. إسرائيل: كانت البلاد هدفاً رئيسياً لهجمات الحوثيين، والتي عطلت بشكل كبير النشاط في ميناء إيلات، وهو ميناء إسرائيل الوحيد على البحر الأحمر، وقد دفعت تلك الهجمات إسرائيل إلى شن ضربات جوية انتقامية على الموانئ والبنية التحتية التي يسيطر عليها الحوثيون في اليمن في أواخر عام 2025.

4. الولايات المتحدة والحلفاء: اتخذت واشنطن وحلفاؤها إجراءات لحماية الشحن العالمي واستعادة حرية الملاحة في البحر الأحمر، ورداً على هجمات الحوثيين الأولية في عام 2023 رداً على حرب غزة، أطلقت الولايات المتحدة حينها مبادرة أمنية متعددة الجنسيات ضمت قوات من فرنسا والمملكة المتحدة ودول أوروبية أخرى.

وفي مارس 2025، أطلقت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عملية عسكرية أخرى تُعَدّ أكثر شراسة لاستهداف قواعد الحوثيين في اليمن لا سيما القريبة من المضيق -كان أبرزها في إبريل/ نيسان 2025 عندما شنت الولايات المتحدة ضربات جوية على ميناء رأس عيسى النفطي في محافظة الحديدة اليمنية- وانتهت العملية في مايو/ أيار 2025.

ما التداعيات المحتملة على استمرار المهدِّدات لحركة الملاحة في البحر الأحمر؟

بالإضافة إلى الاضطرابات التي تلحق بالشحن الدولي، فإن زيادة عدم الاستقرار في البحر الأحمر قد تؤدي إلى تفاقم الأزمات القائمة في شمال إفريقيا وشرقها.

وهناك بالفعل توترات متعددة ومترابطة في المنطقة تتعلق بمياه النيل، ورغبة إثيوبيا في الوصول إلى الموانئ، والحرب الأهلية في السودان، والأزمات السياسية والأمنية في الصومال، حيث يتم تشكيل العديد من هذه الصراعات من خلال التنافس بين القُوى الشرق أوسطية من خلال الاستثمارات الإستراتيجية والدعم العسكري والتعاون الأمني.

وبالنسبة لإيران والحوثيين، فإن إغلاق مضيق باب المندب بالكامل سيكون أمراً صعباً، فخلافاً لمضيق هرمز، الذي يُعَدّ المنفذ البحري الوحيد من الخليج العربي إلى المحيط المفتوح، فإن السفن التي تدخل البحر الأحمر عبر مضيق باب المندب يمكنها الخروج عبر قناة السويس في الشمال.

ومع ذلك، فإن التعطيل المتزامن والمطول لكِلا المضيقين قد يؤدي إلى تعطيل طرق ترانزيت النفط التي تحمل حوالَيْ 24% من إمدادات النفط العالمية، مما يترك الدول أمام خيارات أقل لنقل النفط داخل وخارج المنطقة.

وعلى الرغم من وجود مسارات بديلة لحركة الملاحة، فإنها تفتقر تماماً إلى الكفاءة الاقتصادية والزمنية المعمول بها، فالنفط المشحون من الموانئ السعودية على البحر الأحمر باتجاه الأسواق الآسيوية يمكنه نظرياً التحرك شمالاً عبر قناة السويس ثم عبور البحر الأبيض المتوسط والدوران حول القارة الإفريقية بأكملها عبر رأس الرجاء الصالح للوصول إلى المحيط الهندي، وهي رحلة طويلة للغاية ومرتفعة الكلفة ولا يمكن مقارنتها بسلاسة العبور المباشر عبر باب المندب.

كذلك، فإن خيار إعادة توجيه السفن التجارية حول رأس الرجاء الصالح يواجه عقبات لوجستية ضخمة، إذ إن الموانئ في تلك المنطقة غير مهيأة بالشكل الكافي وغير قادرة على استيعاب هذا التدفق المفاجئ والهائل لحركة المرور البحرية العالمية، فضلاً عن أن تطوير البنية التحتية للموانئ ورفع كفاءتها يتطلب سنوات من العمل والاستثمارات الضخمة.

ويمكن القول إنه إلى جانب مضيق هرمز، يمكن أن يشكل البحر الأحمر نقطة ضغط اقتصادي حرجة في الحرب الإيرانية، كما أن التدخل المستمر في البحر الأحمر، وخاصة من قِبل الحوثيين، من شأنه أن يتسبب في تأخيرات شديدة في سلاسل التوريد، ويدفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع، ويزيد من زعزعة استقرار الاقتصاد العالمي.

 

المصدر: مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي (CFR)