المساعي الأمريكية لحصر السلاح بيد الدولة العراقية والسيناريوهات المحتملة
2026-01-1370 مشاهدة
Download PDF
تمهيد
تُعَدّ قضية حصر السلاح بيد الدولة العراقية إحدى أكثر الإشكاليات البِنْيَويّة تعقيدًا في مسار تشكُّل النظام السياسي بعد عام 2003. فهذه المسألة لم تَعُد محصورة ببُعدها الأمني التقليدي، بل تحولت إلى عُقدة مركبة تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاجتماعية والإقليمية، بما يجعلها مؤشراً كاشفاً لطبيعة الدولة العراقية وحدود سيادتها الفعلية. فالسلاح الخارج عن إطار الدولة لا يعكس خللاً في المنظومة الأمنية فحَسْبُ، بل يُجسّد أزمة أعمق تتعلق بشرعية السلطة وقدرة النظام السياسي على احتكار أدوات الإكراه المشروع، فضلاً عن طبيعة العلاقة بين الدولة والفاعلين من غير الدولة.
ضِمن هذا السياق، تبرز المساعي الجارية التي تقودها الولايات المتحدة لحصر سلاح الفصائل المسلحة العراقية بوصفها جزءاً من مقاربة إستراتيجية أوسع لإعادة ضبط التوازُنات داخل العراق، وليس مجرد جهد تقني يهدف إلى جمع السلاح أو تفكيك التشكيلات المسلحة. فالمقاربة الأمريكية تنطلق من إدراك متزايد بأن استمرار وجود فاعلين مسلحين خارج السيطرة الكاملة للدولة لا يشكل تهديداً للأمن العراقي الداخلي فحَسْبُ، بل يُنتج أيضاً بيئة غير مستقرة تُعرِّض المصالح الأمريكية والإقليمية لمخاطر مستمرة، وتُقوض أيّ تصور طويل الأمد للاستقرار السياسي والاقتصادي.
تتزامن هذه المساعي مع بيئة إقليمية شديدة التوتر، تَتَّسِم بتصاعد التنافس "الأمريكي – الإيراني"، وتزايُد ترابط الساحات الإقليمية، وتحول العراق إلى إحدى حلقات الصراع غير المباشر بين القُوى الإقليمية والدولية. وفي ظلّ هذا الواقع، أصبحت الفصائل المسلحة لاعباً مركزياً لا يمكن تجاوُزه، ليس فقط في معادلات الأمن، بل أيضاً في صناعة القرار السياسي وإعادة إنتاج موازين القوة داخل النظام. وقد أدى هذا التحول إلى إعادة تعريف مفهوم السيادة ذاته، بحيث لم يَعُد مرتبطاً فقط بالاعتراف القانوني بالدولة، بل بقدرتها الفعلية على فرض قراراتها على كامل إقليمها، وضمان وحدة القرار الأمني، وتحديد قواعد الاشتباك الداخلية والخارجية.
وعليه، فإن تقييم فرص نجاح المساعي الأمريكية لحصر سلاح الفصائل المسلحة لا يمكن أن يقتصر على تحليل الخطاب الرسمي أو الإجراءات المعلنة، بل يستلزم قراءة متعددة المستويات تُفكِّك التفاعلات العميقة التي تحكم سلوك الأطراف المختلفة، وتُبرز حدود الفعل الخارجي في سياق دولة تعاني من هشاشة بِنْيَويّة وتعدُّد مراكز القوة.
يسعى تقدير الموقف هذا للإجابة عن سؤاليْنِ رئيسيَّيْنِ:
الأول: إلى أيّ مدى تبدو المساعي الأمريكية لحصر سلاح الفصائل المسلحة العراقية واقعية وقابلة للتحقق، و الثاني: ما السيناريوهات المستقبلية المحتملة لمسار هذا الملفّ في ضوء التوازُنات الداخلية والإقليمية؟
أولاً: المقاربة الأمريكية لحصر السلاح
لا يمكن فهم السلوك الأمريكي تجاه ملفّ السلاح غير النظامي في العراق بمعزل عن التحوُّلات التي طرأت على الإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط خلال العقد الأخير. فمنذ انحسار مرحلة "التدخلات الكبرى" التي أعقبت عام 2003، أعادت الولايات المتحدة تعريف أولوياتها الإقليمية، متجهة نحو تقليص الانخراط العسكري المباشر، واعتماد مقاربات أقل كلفة تقوم على إدارة الأزمات واحتواء التهديدات بدل السعي إلى إعادة هندسة النُّظُم السياسية من جذورها. في هذا الإطار، لم يَعُد العراق يُنظر إليه بوصفه ساحة مركزية قائمة بذاتها، بل كحلقة ضِمن شبكة أوسع من الصراعات المتداخلة التي تتقاطع فيها ملفات مكافحة الإرهاب، وأمن الطاقة، والتنافس مع إيران، وحماية الحلفاء، وتوازن الردع في الإقليم. [1]
ضِمن هذا التحوُّل، باتت المقاربة الأمريكية تجاه العراق محكومة بمنطق "تقليل المخاطر" أكثر من منطق "تحقيق التحول". وهذا ينعكس بوضوح في التعامل مع ملفّ السلاح غير النظامي، فالهدف الأمريكي المعلَن يتمثل في دعم سيادة الدولة العراقية وتعزيز قدرتها على احتكار استخدام القوة بوصفه أحد مقومات الدولة الحديثة. غيرَ أن هذا الخطاب المعياريّ يتقاطع في الممارسة العملية مع اعتبارات إستراتيجية أكثر مباشرة، في مقدمتها تقليص التهديدات التي تتعرض لها القوات والمصالح الأمريكية داخل العراق، ومنع تحوُّل الأراضي العراقية إلى منصّة مفتوحة لاستهداف الوجود الأمريكي أو حلفائه الإقليميين.
وبالتوازي، تنظر واشنطن إلى مسألة حصر سلاح الفصائل المسلحة بوصفها أداة ضِمن أدوات إدارة الصراع الإقليمي، ولا سيما فيما يتعلق باحتواء النفوذ الإيراني غير المباشر. فالفصائل التي ترتبط بدرجات متفاوتة بعلاقات سياسية أو عقائدية أو تنظيمية مع إيران تُعَدّ في التصور الأمريكي أحد أبرز تجليات هذا النفوذ، ووسيلة فعّالة لممارسة الضغط غير المباشر في إطار حروب الوكالة. وعليه، فإن ضبط سلوك هذه الفصائل يُنظَر إليه كوسيلة لتقييد هامش الحركة الإيرانية دون الانخراط في مواجهة مباشرة ذات كلفة مرتفعة.
ومع ذلك، لا تسعى الولايات المتحدة –في الغالب– إلى إنهاء وجود الفصائل بصورة شاملة وفورية، إدراكاً منها للمخاطر التي قد تترتب على مثل هذا المسار، سواء من حيث احتمال اندلاع صدام داخلي واسع، أم من حيث زعزعة التوازنات السياسية الهشّة التي يقوم عليها النظام العراقي. بدلاً من ذلك، تتبنى واشنطن مقاربة براغماتية تقوم على "إعادة هندسة السلوك" أكثر من "تغيير البِنْية"، عَبْر مَزْج الضغط السياسي والأمني بتفاهمات ضِمنيّة، واستخدام أدوات ردع انتقائية. والهدف العملي هنا هو تحويل الفصائل –قدر الإمكان– من فاعل عسكري مستقلّ يمتلك قرار الاشتباك خارج سلطة الدولة، إلى فاعل منضبط يعمل ضِمن قواعد اشتباك تَحُدّ من قدرته على المبادرة العسكرية، وتربط استخدام القوة بحسابات سياسية أوسع.
بهذا المعنى، لا تستهدف المقاربة الأمريكية إنهاء ظاهرة السلاح الموازي بقدر ما تسعى إلى تحييدها وظيفياً، وإدخالها في معادلة ردع مُدارة تُبقي مستوى التوتر تحت السيطرة، وتضمن الحدّ الأدنى من الاستقرار، وتحافظ في الوقت ذاته على المصالح الأمريكية الأساسية في العراق والمنطقة.
ثانياً: أدوات التأثير والضغط الأمريكية
تعتمد المقاربة الأمريكية في التعامل مع ملفّ السلاح غير النظامي على مزيج مركَّب من الأدوات الصُّلْبة والناعمة، يجري توظيفها بصورة مرنة وتَكْيُّفيَّة تبعاً لتحوُّلات الظرفين السياسي والأمني. ولا تقوم هذه المقاربة على إستراتيجية أحادية، بل على إدارة متعددة المسارات تهدف إلى التأثير في سلوك الفاعلين المحليين دون الانخراط في مواجهة مباشرة قد تُفضي إلى نتائج عكسية. ويعكس هذا النهج إدراكاً أمريكياً لحدود القوة الصلبة في بيئة سياسية معقَّدة تتسم بتعدُّد مراكز القرار وتشابُك المصالح الداخلية والإقليمية.
على المستوى الأمني، يُشكّل الدعم الأمريكي للقوات العراقية الرسمية إحدى أدوات التأثير غير المباشر، بما يتضمن التدريب وبناء القدرات وتبادُل المعلومات الاستخبارية والدعم التقني. وغالبًا ما يُربَط هذا الدعم بخطاب سياسي يؤكد ضرورة تعزيز سيطرة الدولة على المجال الأمني وضبط السلاح الخارج عن إطار المؤسسات الرسمية. غير أن فعالية هذه الأداة تبقى محدودة لاعتبارات تتعلق بحجم اعتماد الدولة العراقية ذاتها على هذا الدعم في مواجهة تحديات أمنية متعددة، ما يقلص هامش المناورة الأمريكية في حال التلويح بتقليصه، فضلًا عن الفجوة بين بناء القدرات وتوفير الإرادة السياسية للحسم.
على المستوى السياسي والدبلوماسي، تركز واشنطن على ترسيخ خطاب "سيادة الدولة" بوصفه إطاراً مرجعياً عامّاً لعلاقتها مع الحكومات العراقية. ويظهر ذلك في البيانات الرسمية والحوارات الإستراتيجية والضغط لتضمين مبدأ حصر السلاح في البرامج الحكومية والخطط الأمنية. بل حتى في الضغوط الأمريكية الحالية لمنع ممثلي الفصائل المسلحة في البرلمان العراقي الجديد من تولي مواقع مهمة وحسّاسة في التشكيلة الحكومية الجديدة، والهدف هنا لا يقتصر على الإسناد المعياري، بل يتجاوزه إلى خلق التزام سياسي معلَن يصعب التراجع عنه دون كلفة داخلية أو خارجية. إلا أن هذا الخطاب يصطدم في كثير من الأحيان بواقع سياسي شديد التعقيد، إذ تُترجم الالتزامات إلى سياسات رمزية أو إجراءات محدودة لا تمسّ جوهر معادلات القوة. [2]
تحتفظ واشنطن بأدوات ردع انتقائية، في مقدمتها الإجراءات العقابية التي تستهدف شخصيات أو كيانات مرتبطة بالفصائل، سواء على خلفية أنشطة عسكرية أم ارتباطات مالية أم انتهاكات تتعلق بحقوق الإنسان. يقوم منطق العقوبات الأمريكية على عزل الفاعلين المستهدَفين ورفع كلفة سلوكهم، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. لكن هذه الأدوات تبقى نسبية الأثر، إذ غالباً ما تُظهر الفصائل قدرة على التكيف عَبْر شبكات تمويل بديلة أو الاحتماء بالمظلات السياسية الداخلية أو توظيف خطاب مضادّ يصور العقوبات كاستهداف للسيادة.
بوجه عامّ، تعكس الأدوات الأمريكية نمطاً من "الضبط غير المباشر" يسعى إلى تعديل السلوك أكثر من تغييره جذرياً. وهو نمط ينسجم مع التحول الأوسع في الإستراتيجية الأمريكية نحو تقليل الكلفة والانخراط المحدود، لكنه يفسر في الوقت ذاته محدودية النتائج المتحقِّقة في مسار حصر السلاح.
ثالثاً: تأثير العامل الداخلي العراقي
يمثل العامل الداخلي المُحدَّد الأكثر تأثيراً في تقييم فرص نجاح أي مسعى خارجي لحصر السلاح بيد الدولة؛ لأنه يعكس طبيعة الاختلالات البِنيويّة التي يعاني منها النظام السياسي منذ 2003. فالمشهد السياسي الحالي يتسم بتشظٍ عالٍ، لا يقتصر على التنافس بين قُوى مدنية، بل يتجاوزها إلى تداخُل معقَّد بين الأجنحة السياسية والأذرع المسلحة، ما يطمس الحدود بين الرسمي وغير الرسمي وبين الدولة والفاعل من غير الدولة.
في ظلّ هذا التداخل، تتحول مسألة حصر السلاح من قضية قانونية أو أمنية إلى قرار سياسي شديد الحساسية يمسّ جوهر توازُنات السلطة. فأيّ محاولة جادة لتجريد الفصائل من سلاحها، أو حتى تقليص استقلاليتها العسكرية، قد تُفسَّر من أطراف نافذة بوصفها استهدافاً مباشراً لمصالحها أو تهديداً لموقعها داخل النظام. لذلك تتجنب قوى سياسية رئيسية الذهاب إلى حسم قاطع خشية فتح الباب لصراعات داخلية قد تتخذ طابعاً أمنياً وتعيد إنتاج دورات عدم الاستقرار.
أيضاً، تعاني الدولة العراقية من إشكالية "ازدواجية الشرعية"، سواء كانت شرعية قانونية أم دستورية الدولة، تقابلها شرعيات موازية لبعض الفصائل تقوم على سرديات "المقاومة" أو "الدفاع" أو "الحماية" [3] . وتكتسب هذه السرديات صدى في قطاعات اجتماعية مختلفة، خاصة مع استمرار ضعف ثقة المواطن بمؤسسات الدولة أو التهديدات الإسرائيلية المتواصلة كما تصورها الدعاية الفصائلية. في مثل هذا السياق، لا يُنظر إلى السلاح خارج الدولة دائماً بوصفه تهديداً، بل بوصفه بديلاً وظيفياً أو أداة ردع تعوض نقص الدولة، وهو ما يَحُدّ من قدرة الحكومة على تعبئة دعم شعبي واسع لإجراءات حازمة.
مؤسسياً، ورغم التطور النسبي في قدرات الأجهزة الأمنية العراقية خلال السنوات الماضية، فإن بِنْيتها لا تزال تعاني من تعدُّد مراكز القرار وتفاوُت الوَلاءات وتداخُل الصلاحيات، ما يُضعف القدرة على تنفيذ سياسات متماسكة تجاه الفصائل، ويجعل أي تحرُّك قابلاً للتسييس أو التعطيل. كما أن تنفيذ سياسات حازمة يتطلب غطاء سياسياً وإجماعاً وطنياً، وهو ما يفتقر إليه المشهد.
في ظل الانقسامات الحزبية والطائفية وهيمنة منطق التسويات المؤقتة، تُختزل جهود حصر السلاح غالباً في إجراءات جزئية لا تمسّ جوهر معادلة القوة، وبالتالي فإن التحدي الحقيقي أمام مساعي حصر السلاح لا يكمن في نقص الأدوات الخارجية، بل في طبيعة النظام السياسي ذاته، وفي هشاشة العقد الاجتماعي الذي يفترض أن يمنح الدولة الحق الحصري في استخدام القوة.
رابعاً: البُعد الإقليمي وتشابُك الساحات
أظهرت التطورات الإستراتيجية التي أعقبت مرحلة ما بعد 7 أكتوبر 2023 تحوُّلًا في طبيعة الصراع الإقليمي، إذ تصاعد ترابط الساحات وتراجعت إمكانية عزل الملفات المحلية عن بيئتها الإقليمية. وقد أدى ذلك إلى إعادة تفعيل منطق "وحدة الجبهات" بوصفه إطاراً عملياً، الأمر الذي انعكس مباشرة على موقع العراق ودور الفصائل داخله. في هذا السياق، لم يَعُد العراق ساحة ثانوية لتبادُل الرسائل، بل أصبح – بدرجات مختلفة – حلقة تشغيلية ضِمن منظومة صراع إقليمي ممتد، تُستخدم فيها الفصائل كأدوات ردع واشتباك محسوب، لا سيما في مواجهة الوجود الأمريكي. [4]
ثم جاءت التطوُّرات الإقليمية في مرحلة ما بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة على إيران في يونيو 2025، لتزيد من انكشاف قواعد الاشتباك التقليدية وتدفع الأطراف إلى إعادة تقييم أدوات الردع. وبذلك ارتفعت القيمة الإستراتيجية للسلاح خارج الدولة العراقية، لا بوصفه أداة نفوذ محلية فحَسْبُ، بل أصبح جزءاً من معادلة أمنية إقليمية أكبر. وفي المقابل، أصبحت الولايات المتحدة أقل تسامحاً مع استخدام العراق كمنصة لاستنزاف وجودها، لكنها في الوقت نفسه أكثر حذراً من الانزلاق إلى مواجهة شاملة. لهذا لم يتبلور مسار حاسم لنزع السلاح، بل مسار لضبط مستويات التصعيد، ومنع تحوُّل العراق إلى جبهة مفتوحة.
وَفْق هذه البيئة، بات ملفّ حصر السلاح أكثر ارتباطاً بالتوازُنات الإقليمية من أيّ وقت مضى، وتراجعت فرص الحلول الوطنية الخالصة لصالح مقاربات مشروطة بتفاهمات إقليمية كبرى لم تتبلور بعدُ.
ومع تشابُك الساحات، تجد الحكومة العراقية الحالية -وحتى القادمة- نفسها محاصَرة بين التزامات السيادة من جهة، ومتطلبات التوازن الإقليمي من جهة أخرى، ما يجعل حصر السلاح قراراً إستراتيجياً عالي الكلفة.
خامساً: المسارات المضطربة للفصائل المسلحة
لا يمكن فهم تمسُّك الفصائل بسلاحها بوصفه مجرد تحدٍّ لإرادة الدولة أو رفض لضغوط خارجية، بل باعتباره انعكاساً لمعادلة إستراتيجية أوسع: مَن يملك القوة؟ مَن يُعرِّف التهديد؟ ومَن يضمن البقاء في بيئة تتآكل فيها الحدود بين الدولة والفاعلين من دون الدولة.
في الرؤية الأمريكية، يمثل سلاح الفصائل خللاً بِنيوياً في فكرة الدولة، إذ يفترض الاستقرار احتكار الدولة لأدوات العنف المنظم، بما يمنع تحوُّل العراق إلى ساحة تصفية حسابات. لذلك يُنظر إلى السلاح بوصفه أداة تهديد محتملة للمصالح الأمريكية ولحلفائها، ولمنطق الدولة القابلة للاستقرار والاستثمار.
في المقابل، تنظر الفصائل المسلحة إلى مطلب حصر السلاح بوصفه مطالبة بنزع آخر عناصر الضمانة في نظام لا تثق بقدرته على الحماية. فالتجربة العراقية ما بعد داعش رسخت لدى هذه الفصائل تصوُّراً بأن الدولة حين تتعرض لهزّة كبرى قد تتفكك أو تُرتهَن، وأن السلاح يمثل "شبكة الأمان الأخيرة". هنا يتحول السلاح، في سَرْدِيّتها، إلى تعويض عن هشاشة الدولة لا إلى منافس لها.
لكن هذا الصراع لا يُفهَم دون إدراج الدور الإيراني بوصفه محددًا في بنية خيارات الفصائل. فجزء كبير من الاضطراب الذي تعاني منه الفصائل المسلحة في العراق مرتبط بالاحتجاجات والضغوط الداخلية الحالية في إيران، والتي تطرح بدورها تساؤُلات حول مدى استمرارية الزخم الخارجي، وهل تقود ضغوط الداخل الإيراني إلى انكفاء يُضعف الإسناد الخارجي، أم إلى تشدُّد إقليمي يعوّض هشاشة الداخل بإظهار القوة في الخارج؟ كِلا المسارين يضع الفصائل أمام معادلة: الانكفاء قد يزيد تمسُّكها بالسلاح للحفاظ على رصيد مستقلّ، بينما التشدد قد يدفعها لأدوار أكبر ويرفع كلفة الاستهداف والعقوبات.
أظهرت المواقف المتباينة في العراق أنه لا يوجد تصوُّر واضح بخصوص مستقبل السلاح، حيث دعمت جهات وازنة فكرة حصرية السلاح بيد الدولة مؤخراً، مثل رئيس مجلس القضاء فائق زيدان، أو رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني، بالإضافة إلى فصائل مسلحة أبرزها مثل عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، في المقابل رفضت فصائل رئيسية الفكرة مثل كتائب حزب الله العراقي وحركة النجباء.
وزاد من تعميق هذه المعضلة، المخاوف الكبيرة التي بدأت تعتري الفصائل المسلحة في العراق من احتمالية سقوط النظام في إيران بفعل تصاعُد حِدّة الاحتجاجات الداخلية في إيران، أو إمكانية أن تكون هناك حرب جديدة يجري التحضير لها ضدّ إيران من قِبل إسرائيل بدعم أو انخراط أمريكي مباشر.
كل هذه المسارات تؤكد أن الفصائل المسلحة ليست مستعِدّة الآنَ لمناقشة موضوع حصر سلاحها، أو حتى بناء مسار سياسي يُعالج إشكالية هذا السلاح مستقبلاً، فما يتعرض له سلاح حزب الله في لبنان من ضغوط، واحتمالية غياب الرعاية الإيرانية في أية لحظة، تجعل الفصائل العراقية متمسكة أكثر بهذا السلاح، في ظلّ عدم وجود نظام سياسي عراقي قادر على مواجهة الضغوط الأمريكية والتهديدات الإسرائيلية، أو على أقل تقدير انتزاع ضمانات خارجية بعد التعرض لها أو استهدافها مستقبلاً.
سادساً: السيناريوهات المستقبلية
وفقاً للمعطيات السابقة، تبرز العديد من السيناريوهات بخصوص مستقبل السلاح في العراق:
السيناريو الأول: الاحتواء التدريجي للسلاح
يفترض هذا السيناريو أن البيئة العراقية لا تسمح بنزع شامل لسلاح الفصائل، ولا صدام مفتوح معها، ما يدفع إلى مقاربة وسطية تقوم على إدارة السلاح بدل تفكيكه. يتجلى ذلك في دمج جزئي لبعض الفصائل ضِمن أُطُر رسمية أو شِبه رسمية، وربطها بسلاسل قيادة اسمية، مع تقليص قدرتها على العمل كفاعل مستقلّ.
التركيز هنا سيكون على ضبط استقلال قرارها العسكري ومنعها من تنفيذ عمليات كبرى دون سقف سياسي، والحديث هنا عن الفصائل الكبرى، مقابل غضّ الطَّرْف عن استمرار امتلاك السلاح. ويُرجَّح أن يتحول السلاح الثقيل إلى "ردع كامن" أكثر منه أداة اشتباك يومي.
ميزة هذا السيناريو أنه يُقلِّل أخطار الانفجار ويحافظ على استقرار نسبي، لكنه يكرس نموذج الدولة الهجينة ويؤجل الحلّ البِنْيوِيّ.
السيناريو الثاني: الجمود وإدارة الوضع القائم
يفترض هذا السيناريو فشل المساعي الأمريكية في إحداث اختراق حقيقي بسبب الانسداد السياسي أو التوتر الإقليمي أو محدودية الضغوط الفاعلة. وتستمر الفصائل بسلاحها ضِمن سقوف غير مكتوبة يحددها الردع المتبادل، وتستمر حالة "اللاحرب واللاسلم" عَبْر رسائل متبادَلة وتصعيد محدود يُحتوى سريعاً. في هذا السيناريو يُستخدم السلاح أكثر أداة ضغط سياسي لتعزيز مواقع تفاوُضية داخل النظام، أو التأثير على قرارات سيادية، ما يُبقي الدولة في موقع ردّ الفعل وتستمر هشاشة القرار السيادي.
السيناريو الثالث: التصعيد والمواجهة المفتوحة
يفترض هذا السيناريو كسر قواعد الاشتباك نتيجة تصعيد إقليمي واسع، أو تغيير جذري في السياسة الأمريكية، أو قرار حكومي بالمواجهة المباشرة مع الفصائل المسلحة.
قد يتخذ التصعيد شكل صدام بين الدولة وبعض الفصائل لحصر السلاح بالقوة، أو مواجهة بين الفصائل والقوات الأمريكية إذا خرج التوتر عن الردع المحسوب.
ستكون النتيجة اضطراباً واسعاً يتجاوز قدرة الدولة على الاحتواء، ويعمق الانقسامات الداخلية ويفتح الباب لتدخُّلات أعمق، ما يُحوِّل العراقَ إلى ساحة اشتباك مفتوحة، ويجعل ملفّ الحصر ثانوياً أمام أولويات الصراع والبقاء.
الخُلاصة
المساعي التي تقودها الولايات المتحدة لحصر سلاح الفصائل المسلحة في العراق تصطدم بِبِنْيَة داخلية وإقليمية معقَّدة، تجعل من هذا الملفّ أحد أكثر ملفات السيادة العراقية استعصاءً على المعالجة الحاسمة. فالسلاح غير النظامي من منظور المقاربة الأمريكية، لم يَعُدْ مجرد خلل أمني قابل للاحتواء بإجراءات قانونية أو تقنية، بل تحوُّل إلى مكوَّن بِنْيَويّ في معادلة الحكم والأمن، وأداة سياسية – إستراتيجية متجذِّرة في توازُنات الداخل العراقي ومرتبطة بمنظومات الردع الإقليمي والصراع بالوكالة، بما يَحُدّ موضوعياً من قدرة أيّ فعل خارجي على إحداث تحوُّل جذري بمعزل عن إعادة تشكيل البيئة التي أنتجته.
المقاربة الأمريكية، رغم ما تَتَّسِم به من براغماتية ومرونة تكتيكية، تبقى محكومة بسقف طموح إستراتيجي منخفض، نتيجة تراجع شهية واشنطن للانخراط المباشر واسع الكلفة، وحرصها على تجنُّب مواجهة مفتوحة قد تُعيد إنتاج أنماط التدخل السابقة. وضِمن هذا الإطار، يُدمَج ملفّ السلاح ضِمن مقاربة أوسع لإدارة المخاطر الإقليمية، ما يدفع الولايات المتحدة إلى تفضيل سياسات ضبط السلوك وتحييد الوظيفة العسكرية للفصائل، بدل السعي إلى تفكيك بِنْيَتها أو نزع سلاحها بصورة شاملة.
الجهود الأمريكية لا تُفهَم فقط بوصفها دعماً لمبدأ سيادة الدولة العراقية، بل على أنها جزء من إستراتيجية أوسع لإعادة تنظيم ساحات الصراع الإقليمي وتقليص هامش الحركة أمام الفاعلين المرتبطين بإيران دون الانزلاق إلى صدام مباشر. وبناءً عليه، يُقاس نجاح هذه المساعي –من المنظور الأمريكي– بمدى قدرتها على تقليل التهديدات المباشرة للمصالح والقوات الأمريكية وضبط مستويات التصعيد داخل العراق، أكثر مما يُقاس بإنهاء ظاهرة السلاح خارج إطار الدولة بوصفها هدفاً بحدّ ذاته.
إن محدودية أثر هذه المساعي لا تعكس ضعفَ الأدوات بقدر ما تُظهر حدود الفعل الخارجي في سياق دولة تعاني من هشاشة بِنْيويّة وازدواجية في الشرعية وتعدُّد في مراكز القوة. فالحلول الأمنية وحدها، مهما بلغت دقتها تظلّ غير كافية لتحقيق اختراق حاسم ما لم تُدمَج ضِمن مسار سياسي/ اقتصادي داخلي يعيد بناء شرعية الدولة على أُسُس أدائية وتمثيلية، ويعزز قدرتها على توفير الأمن والخدمات بصورة متوازنة، ويقلل من الحاجة الوظيفية لوجود فاعلين مسلحين خارج الإطار الرسمي.
إن مستقبل المساعي الأمريكية لحصر السلاح سيظل مرهوناً بتقاطُع ثلاثة مسارات مترابطة: مسار داخلي يعالج اختلالات الدولة وبِنْيتها السياسية، ومسار إقليمي يخفف من تشابُك الساحات ومنطق الصراع بالوكالة، ومسار دولي يُعيد تعريف حدود الدور الأمريكي ذاته وأهدافه. وفي غياب هذا التقاطع، ستبقى الجهود الأمريكية جزءاً من إستراتيجية ضبط المخاطر في بيئة معقدة، لا مشروعاً لتحوُّل سيادي جذري في الدولة العراقية.
[1] America’s Pacific Century. foreignpolicy .Aug 2010. link
[2] لا وزارات للفصائل.. واشنطن ترسم الخط الأحمر أمام الحكومة العراقية القادمة، إرم نيوز، كانون الأول/ ديسمبر 2025، الرابط
[3] لمحة عن "المقاومة الإسلامية في العراق"، معهد واشنطن للدراسات، تشرين الأول/ أكتوبر 2023، الرابط
[4] الفصائل العراقية تصاعد من هجماتها ضد القوات الأمريكية وبغداد تسعى لإنهاء التحالف الدولي، الجزيرة نت، كانون الثاني/ يناير 2024، الرابط




