الدورة الـ 62 من مؤتمر ميونخ.. رَدْم الفجوة بين أوروبا وأمريكا أم توسيعها؟

الدورة الـ 62 من مؤتمر ميونخ.. رَدْم الفجوة بين أوروبا وأمريكا أم توسيعها؟

2026-02-16
85 مشاهدة

استخدمت إدارة ترامب الأمريكية في الدورة الـ 62 لمؤتمر ميونخ الأمني لهجة دبلوماسية تجاه أوروبا مختلفة عن اللهجة التصعيدية في الدورة السابقة، التي أشارت إلى الاستفادة الأوروبية المجانية من الحماية الأمريكية، وما تبعها من تصعيد عملي من خلال تلويح أمريكا بضمّ إقليم غرينلاند الدنماركي.  

قدم وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في الدورة 62 من مؤتمر ميونخ خطاباً يوحي برغبة لخفض التوتر بين واشنطن والدول الأوروبية، وأكد على أن الولايات المتحدة ابنة أوروبا، والمصير بينهما متشابك، مع الدعوة إلى إنقاذ الحضارة الغربية.  

على الرغم من الخطاب التصالحي الأمريكي تجاه أوروبا، إلا أن التصريحات من القيادات الأوروبية التي صدرت خلال المؤتمر وبعده لا توحي بردم الفجوة، بل ربما هي آخِذة بالاتِّساع، فقد طالب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال كلمته في مؤتمر ميونخ بتحويل أوروبا إلى قوة جيوسياسية تكون قادرة على الدفاع عن أوكرانيا في مواجهة روسيا، مطالباً بأن تحترم أمريكا أوروبا، ومشدداً على أنه لن يكون سلام في أوكرانيا دون مشاركة الأوروبيين، كما أن وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس اعتبر أن استبعاد الدول الأوروبية عن مفاوضات خاصة بأمن القارة سيُضعف حلف الناتو.  

أعطت أوروبا قبل المؤتمر وبعده وخلاله رسائل عديدة أنها تعمل على تطوير سياسات مستقلة -بغضّ النظر عن مدى قدرتها على تحقيق هذا الهدف– ومن هذه الرسائل استمرار معارضة مشروع مجلس السلام الذي يطرحه ترامب واعتباره مشروعاً خاصاً يتجاوز التوازنات الدولية، بالإضافة إلى إعلان الرئيس الفرنسي ماكرون استعادة بلاده لقنوات الاتصال مع روسيا، في ظلّ محاولات ترامب حصر التفاوض على مستقبل أوكرانيا بينه وبين الرئيس الروسي بوتين.  

أيضاً، تحاول دول أوروبية بارزة -ومنها فرنسا- إظهار سياسة مستقلة عن رؤية ترامب الخاصة بسوريا، وتعمل على تكريس بقاء قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وإنْ كان ضِمن إطار الدولة السورية.  

ورشحت تسريبات عن حوارات أوروبية بَيْنيّة دارت خلال مؤتمر ميونخ، خلصت إلى أن سياسة إدارة ترامب لم تتغير، وهي تبحث عن تبعية أوروبا لأمريكا، كما أن واشنطن، وما يدفع الإدارة الأمريكية لتخفيف حِدّة اللهجة المستخدَمة في الخطاب هو قاعدة المصالح وليس اعتقادها بتطابق المصير.  

من الواضح أن الولايات المتحدة بإدارة فريق ترامب من جهة، والدول الأوروبية من جهة أخرى يعيشون حالة من التنافر الأيديولوجي، حيث تحدثت وثيقة الأمن القومي الأمريكي لعام 2025 عما وصفته "الانحدار الحضاري الأوروبي"، وهذا ما يدفع الدول الأوروبية للاعتقاد أن الإدارة الأمريكية الحالية تعادي "الليبرالية العالمية"، وبناءً عليه من المتوقع أن تستمر المحاولات الأوروبية في البحث عن توسيع استقلاليتها وصياغة سياسات أمنية لا تعتمد قدر الإمكان على الدعم الأمريكي، إلا أن هذه الجهود ستعترضها عقبات محتملة، منها وجود انقسامات بين الأوروبيين أنفسهم تجاه الأولويات، فعلى سبيل المثال تُعتبَر ألمانيا الأكثر تخوُّفاً وتأثُّراً  من تنامي التهديد الروسي، بالمقابل تُبدي فرنسا مرونة تجاه الحوار، كما أن فارق التقدم بالصناعات الحربية والتكنولوجيا سيشكل عقبات في طريق وصول أوروبا إلى مستوى مرتفع من الاستقلالية.