رسائل الأغلبية الصامتة في انتخابات الجزائر التشريعية 2026
2026-07-08291 مشاهدة
أسفرت الانتخابات التشريعية التي أُجريت في الجزائر في 2 يوليو 2026 عن نتيجة كانت متوقعة من حيث ميزان القوى البرلماني، لكنها حملت دلالات كبرى فيما يتعلق بالشرعية السياسية.
ولم تكن السمة الأكثر بروزاً في هذا التصويت هي فوز الأحزاب التقليدية الموالية للحكومة، بل تمثلت في تدني مستويات المشاركة إلى حدّ غير مسبوق تاريخياً، ووفقاً للأرقام الرسمية، بلغت نسبة الإقبال على صناديق الاقتراع 21.24%، لتسجل بذلك أدنى معدل مشاركة في تاريخ الانتخابات التشريعية الجزائرية. وتؤكد هذه النتيجة تراجُع الانخراط الانتخابي على المدى الطويل، وتسلط الضوء على الفجوة المتسعة بين مؤسسات الدولة وقطاع عريض من الشعب.
حصلت الأحزاب المقربة للسلطة على النصيب الأكبر من المقاعد، وحلّ حزب جبهة التحرير الوطني في المرتبة الأولى بحصوله على 90 مقعداً من أصل 407، وتلاه التجمع الوطني الديمقراطي، وحصل على 73 مقعداً، بينما حصد حزب جبهة المستقبل 59 مقعداً. وبذلك، حافظت هذه الأحزاب الثلاثة مجتمعة على الهيمنة البرلمانية.
بالمقابل، الأحزاب الإسلامية حافظت على حضورها لكنها خسرت بعضاً من نفوذها مقارنة بالانتخابات السابقة؛ حيث حصلت حركة مجتمع السلم على 43 مقعداً، مسجلة تراجُعاً ملحوظاً عن مقاعدها الـ 64 التي حققتها عام 2021، وفازت حركة البناء الوطني بـ 38 مقعداً، محتفظة بموقعها السابق تقريباً. وفي غضون ذلك، منيت المعارضة الديمقراطية بانتكاسة كبيرة؛ إذ لم تحصد جبهة القوى الاشتراكية أحد أقدم أحزاب المعارضة في الجزائر سوى 12 مقعداً، في حين حصل التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية على أربعة مقاعد، وحزب العمال على ثلاثة مقاعد.
وبعيداً عن توزيع المقاعد، كانت الرسالة المركزية لهذه الانتخابات هي حجم العزوف عن التصويت، فقد واصل معدل المشاركة مساره التنازلي المرصود على مدى السنوات الماضية؛ فالانتخابات التشريعية التي كانت تستقطب في السابق أعداداً كبيرة من الناخبين شهدت تراجُعاً مستمراً، حيث انخفضت النسبة من 65.6% في عام 1997 إلى 23% في عام 2021، لتستقر الآن فوق 21% بقليل في عام 2026. ويشير هذا الاتجاه إلى أن العزوف قد تحول إلى سمة هيكلية في الحياة السياسية الجزائرية، وليس مجرد رد فعل مؤقت لظروف عابرة.
بينما تكشف نتائج الانتخابات عن تطوُّرات مهمة في المشهد السياسي الجزائري وَفْق ما يلي:
● تُظهر النتائج أن السلطات تواصل إمساكها بزمام النظام السياسي الرسمي، ويثبت فوز الأحزاب المقربة من الرئاسة أن الإطار المؤسسي لا يزال محكوماً بشكل كبير برؤية الدولة بدلاً من ديناميكيات التنافس الانتخابي الحر.
كما يعزز تصدُّر جبهة التحرير الوطني للمركز الأول استمرارية الشبكات السياسية التاريخية بالتأثير في صناعة القرار، بينما يشير صعود التشكيلات الموالية الأحدث مثل جبهة المستقبل إلى محاولة لإدخال عناصر تجديد دون إحداث تغيير جوهري في ميزان القوى.
● ضعف الإقبال يمثل تحدياً خطيراً لمصداقية المشهد السياسي، والنتائج ستواجه تساؤلات حتمية بشأن شرعية البرلمان التمثيلية. ورغم أن السلطة المستقلة للانتخابات في الجزائر شددت على نزاهة العملية وجادلت بأن ضعف المشاركة ظاهرة عالمية تشهدها العديد من الدول الديمقراطية، إلا أن هذا التراجع يرتبط بوجود انطباع شائع لدى شريحة واسعة من الناخبين بأن الانتخابات لا تؤثر بشكل ملموس في صنع القرار، وأن الخيارات السياسية الكبرى تظلّ مركزة بيد فئة محددة داخل أروقة السلطة.
● يبقى إرث "الحراك الشعبي" محوراً أساسياً لفهم الوضع الراهن، حيث تحدت حركة الاحتجاجات الواسعة التي انطلقت في 2019 النظام السياسي، مطالبة بإصلاحات ديمقراطية، وأدت تلك الاحتجاجات إلى رحيل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، لكنها لم تثمر عن التحول المؤسسي العميق الذي كان يطمح إليه الكثير من المتظاهرين؛ ولذلك يمكن تفسير انتخابات 2026 بأنها امتداد لهذا التوتر السياسي المكتوم، ويبدو أن العديد من المواطنين لا يرفضون بالضرورة مبدأ الانتخابات بحدّ ذاته، بقدر ما يشككون في كونها أداة حقيقية لإحداث التغيير.
وعلى أي حال إن السؤال المطروح على الجزائر بعد هذه الانتخابات هو ما إذا كانت السلطات ستتعاطى مع العزوف كمجرد مشكلة حشد انتخابي، أو كجرس إنذار حول طبيعة العلاقة بين المواطنين والمؤسسات. فإذا ساد التفسير الأول، فقد يستمر النظام السياسي في الاعتماد على تعزيز المركزية في صناعة القرار وتقليل فاعلية المعارضة في البرلمان. أما إذا أُخذ التفسير الثاني بعين الاعتبار، فقد يفتح ذلك البابَ أمام إصلاحات تهدف إلى إعادة بناء الثقة من خلال انفتاح سياسي أكبر، ومساءلة مؤسسية أقوى، وإتاحة فضاء عامّ أوسع للنقاش.
وعلى المدى القصير، يبدو أن حدوث تغييرات سياسية كبرى في البلاد أمر مستبعَد؛ لأن الانتخابات تؤكد استمرارية النظام الحالي بدلاً من إنتاج ميزان قوى جديد، فالرئيس عبد المجيد تبون، الذي أُعيد انتخابه في عام 2024، يدخل المرحلة التالية من ولايته ببرلمان تهيمن عليه أحزاب داعمة لتوجُّهاته.
وما سبق من المحتمل أن يوفر استقراراً مؤسسياً مع تفعيل لخُطط حكومية تستهدف التنمية الاقتصادية، ولكن ذلك لا يحل بالضرورة معضلة الشرعية التي كشفت عنها أرقام الإقبال.
في الجهة المقابلة، تواجه المعارضة مرحلة صعبة، فالأداء الضعيف للأحزاب الديمقراطية مثل جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية لا يعكس فقط الضعف التنظيمي، بل يوضح أيضاً الصعوبة البالغة للحشد السياسي في بيئة تراجعت فيها ثقة الجمهور بالأحزاب ككل.
أما بالنسبة للأحزاب الإسلامية، فإن النتائج تؤشر على تراجُع تدريجي لنفوذها السابق؛ فرغم أن حركة مجتمع السلم تظلّ إحدى أكبر قوى المعارضة تحت قبة البرلمان، إلا أن خسائرها مقارنة بعام 2021 توضح عدم قدرتها على استيعاب استياء الناخبين الذين ينأون بأنفسهم عن النخبة الحاكمة.
ومع ذلك لا يزال التيار الإسلامي يمثل جزءاً معتبراً من الطيف السياسي الجزائري، لكنه يبدو أنه لم يَعُدْ قادراً على توسيع نفوذه بشكل جوهري في ظلّ الظروف الحالية مما يتيح مساحات تحرُّك أكبر لأحزاب الموالاة داخل البرلمان.
بالمحصِّلة، من المتوقَّع أن البرلمان الجديد سيدعم أجندة الحكومة بدلاً من أن يتحول إلى مركز لنقاش سياسي مستقلّ، ونظراً للمحورية المؤسسية المحدودة للنواب مقارنة برئاسة الجمهورية، فإنه من المستبعَد أن تُغيّر الانتخابات توزيع السلطة في الجزائر بشكل ملموس.
ومع ذلك، ستواجه السلطات تحدي معالجة المعضلة الأعمق التي كشف عنها هذا التصويت، ألا وهي الانكفاء السياسي. فالمنظومة قد تحافظ على استقرارها المؤسسي، لكنها تعاني في الوقت نفسه من تراجُع الثقة الاجتماعية.
وبناءً على ذلك، قد يكون الفاعل السياسي الأهم الذي كشفت عنه هذه الانتخابات هو "الأغلبية الصامتة"، فخلافاً لحركات المعارضة التقليدية، لا تملك هذه الكتلة هيكلاً تنظيمياً ولا برنامجاً سياسياً موحَّداً، لكن حجمها يمنحها ثقلاً رمزياً وازناً، مما يجعل العمليات الانتخابية المستقبلية أمام خطر التحوُّل إلى إجراءات معزولة وشكلية منفصلة عن واقع المجتمع.




