هل تحسم معارك شمال كردفان مسار الحرب في السودان؟
2026-08-091581 مشاهدة
تقدُّم القوات المسلحة السودانية والتشكيلات المساندة لها عبر محور شمال كردفان وتمكُّنها من السيطرة على عدة مواقع مهمة في أواخر يوليو/ تموز 2026، بالتزامن مع تراجُع ملموس لقوات تحالف تأسيس، يُعَدّ تطوُّراً يحمل في طيّاته تداعيات إستراتيجية محتملة على مسار الصراع، ويوجد عدة مؤشرات لتقييم أحداث شمال كردفان لاعتبارها بداية تحوُّل حاسم في التوازن العسكري بالسودان، أو مجرد تقلُّب مؤقت آخر في صراع ممتد وشديد التكيف، حيث إذا استمر هذا التقدم، فإنه قد يغير التوازن العملياتي في وسط السودان، ويعيد تشكيل الديناميكيات اللوجستية فضلاً عن التأثير على حسابات الأطراف الفاعلة المحلّية والخارجية.
تحتل شمال كردفان موقعاً إستراتيجياً يربط وسط السودان بإقليم دارفور، مما يجعل السيطرة على هذه المنطقة أمراً حيوياً، وبالنسبة للقوات المسلحة السودانية، يعزز التقدم التدريجي في هذه المساحات فرص استعادة ممرات اتصال بين المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، بينما تزيد الضغط على خطوط إمداد قوات تأسيس شرقاً من دارفور.
أيضاً تأثير الضغط العسكري المستمر على طول هذه المحاور قد يؤدي تدريجياً إلى الحد من المرونة العملياتية لقوات تحالف تأسيس، عن طريق إجبارها على اتخاذ مواقف دفاعية متزايدة وتحجيم قدرتها على تنفيذ عمليات هجومية واسعة النطاق خارج معاقلها المتبقية.
من جهة أخرى، أثبت الصراع في السودان مراراً وتكراراً أن السيطرة على المراكز الحضرية أو ممرات النقل لا تُترجَم إلى مواقع سيطرة طويلة الأمد، فقد تكيّفت قوات الدعم السريع ومَن يساندها باستمرار مع الواقع الميداني للعمليات من خلال هياكل قيادية غير مركزية، وحرب تحرُّكات سريعة، وانسحابات تكتيكية تُنفَّذ بهدف الحفاظ على القوة القتالية لا الدفاع عن مواضع ثابتة.
وبناءً على ذلك، قد يمثل التراجع من أجزاء من شمال كردفان إعادة ضبط عملياتية بدلاً من كونه انهياراً في صفوف تحالف تأسيس، وما لم تنجح القوات المسلحة السودانية في حرمان الأخيرة من فرص إعادة التجمع، وتعزيز القوى البشرية، فإن المكاسب الحالية قد تظلّ عرضة للهجمات المضادة المستقبلية.
من منظور تحالف تأسيس، فإن الانتكاسات في شمال كردفان تزيد من الضغوط، لكنها لا تقضي على نقاط قوته المتبقية، إذ يواصل التحالف امتلاك شبكات دعم محلية في أجزاء من غرب السودان، ولديه القدرة على استغلال المساحات الجغرافية الشاسعة حيث تصعب السيطرة العسكرية التقليدية.
وحتى لو حُرم من ممرات إمداد معينة، فقد يعتمد بشكل متزايد على أساليب مرنة، وهجمات خاطفة، وتخريب اقتصادي يهدف إلى تكبيد القوات الحكومية المتقدمة خسائر باهظة بدلاً من القتال على كل كيلومتر مربع، ومن شأن هذا التكيف أن يطيل أمد عدم الاستقرار على الرغم من تغيُّر خطوط المواجهة.
وعلى الصعيد الدولي، من المرجح أن تؤثر التطورات في شمال كردفان على الحسابات الدبلوماسية للأطراف الإقليمية والدولية؛ إذ تسعى الجهات الخارجية المُراقِبة للصراع إلى التثبت من مدى ثبات الاتجاهات العسكرية قبل تعديل انخراطها السياسي أو جهود الوساطة.
وإذا أظهرت القوات المسلحة السودانية تفوُّقاً عملياتياً مستداماً على مدى عدة أسابيع بدلاً من مجرد مكاسب تكتيكية معزولة، فقد تتغير الديناميكيات والتحركات الدولية حول مسار الصراع تدريجياً نحو تبني رؤية الحكومة كطرف يستعيد زمام المبادرة على الأرض.
والخلاصة أنه يشير المسار الحالي إلى أن القوات المسلحة السودانية تمتلك فرصة لإعادة تشكيل البيئة العملياتية، بَيْدَ أن الصراع لم يصل بعدُ إلى مرحلة حاسمة، كما أن استمرار التقدم في شمال كردفان قد يؤدي إلى عزل تشكيلات قوات تأسيس العاملة خارج دارفور، مما يضاعف الضغط على قدرتها اللوجستية وتماسُك قيادتها، وعلى العكس من ذلك إذا تباطأت وتيرة العمليات أو أثبتت جهود تثبيت السيطرة عدم كفايتها، فقد تتجه الدعم السريع وحلفاؤها لاستعادة المبادرة عبر حرب استنزاف.




