"مالي.. انتكاسة جديدة لإستراتيجية "الأمن مقابل الموارد الروسية

"مالي.. انتكاسة جديدة لإستراتيجية "الأمن مقابل الموارد الروسية

2026-04-27
90 مشاهدة

كثَّفت الجماعات المتمردة في مالي منذ صيف 2025 من نشاطها ضدّ نظام الحكم العسكري، حيث سَعَتْ منذ ذلك الحين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (تتبع تنظيم القاعدة) لتشديد الخناق على العاصمة المالية باماكو، بالمقابل نشطت حركة الأزواد (تنتمي لقبائل الطوارق) شمال البلاد بهدف الحصول على الحكم الذاتي.

بلغت التطوُّرات ذروتها أواخر إبريل 2026، عندما نفذت الجماعات المتمردة هجمات في كاتي وباماكو مما أسفر عن مقتل وزير الدفاع كامارا، ومدير أمن الدولة مديبو كوني، ويحيط الغموض بمصير رئيس الأركان عمر جارا.

تُقوِّض هذه الهجمات المستمرة السلطة الانتقالية التي يقودها الجنرال أسيمي غويتا الذي قاد انقلاب عام 2020، ووثَّق تحالُفه الأمني مع روسيا، مع إنهاء النشاط الفرنسي في البلاد، حيث تعاطت موسكو مع مالي على أنها منطقة نفوذ جديدة في الساحل الإفريقي، وساحة لتطبيق إستراتيجية "الأمن مقابل الموارد"، فدعمت المجلس العسكري الانتقالي بمجموعات فاغنر التي تحولت لاحقاً لاسم فيلق إفريقيا، بالإضافة للدعم الأمني والعسكري.

على الرغم من أن أمن المجلس العسكري المالي وفيلق إفريقيا تمكنا عام 2023 من استعادة مدينة كيدال شمال مالي عَبْر استخدام العنف المُفرِط، لكن يبدو أن هذه المكاسب الأمنية التي تم تحقيقها تتقوض مع مرور الوقت، في ظلّ دعم روسي رمزي ليس فقط لمالي وإنما لدول تحالُف الساحل جميعها، والتي تشمل النيجر وبوركينا فاسو أيضاً، حيث راهنت هذه الدول على فعالية الدعم الروسي بشكل أكبر من الغربي.

لا يبدو أن روسيا التزمت بتعهُّداتها في تدريب عناصر حرس الحدود المشترك لدول التحالف التي تضمّ مالي، كما أن ضعف الدعم شمل أيضاً مجموعات فيلق إفريقيا التي قُتل المئات منها خلال عامَيْ 2024 و 2025 خلال المواجهات مع المتمردين في مالي.

على الأرجح فإن الانتكاسة الجديدة للنمط التي حاولت تسويقه روسيا لدى دول الساحل، والقائم على الدعم مقابل حصول موسكو على الموارد وخاصة الذهب سيكون له ارتدادات على نفوذ موسكو في المنطقة الإفريقية، خاصة في ظلّ وجود منافسين للنفوذ الروسي لديهم قدرة على توفير شكل من الدعم يقلل من التدخل العسكري المباشر، ويستند للمساندة الاستخباراتية واللوجستية وأنظمة المراقبة، وبرامج تدريبية فعّالة، ومن هذه الدول تركيا التي تمثل لدول إفريقيا خياراً وسطاً بين الغرب وروسيا، ولديها صناعات عسكرية متقدمة خاصة في مجال الطيران المسيَّر.

أيضاً تُعتبَر الصين هي الأخرى من ضِمن الخيارات الفعّالة بالنسبة للدول الإفريقية، والتي قد يُنظَر لها على أنها أقدر على ملء الفراغ الأمني وتعويض الدور الروسي تدريجياً في منطقة الساحل الإفريقي، إلى جانب احتمالية عودة دول المنطقة أو جزء منها للخيار التقليدي المتمثل بالتعاون مع فرنسا أو الولايات المتحدة.

من الواضح أن موسكو لا تزال تكرر أخطاءها ذاتها في العديد من الملفات على غرار ما فعلته في أوكرانيا وسوريا، حيث تركز بشكل أكبر على استخدام القوة العسكرية واستعراض القدرة على البطش، بالمقابل لا تدعم باتجاه هيكلة مؤسسات حكم قوية تدعم عمليات التنمية في هذه البلدان، أو رعاية الحلول السياسية لإنهاء الأزمات فيها، وهذا ما يجعل دورها ونفوذها دائماً عرضة للتآكل، حيث يدور الحديث في مالي حالياً عن إخراج فيلق إفريقيا التابع لروسيا من المناطق التي يتمركز فيها نظراً للنظرة السلبية لدوره في البلاد.