لبنان بين إعادة تشكيل الإقليم وتفكُّك التوازُنات الداخلية
2026-05-2566 مشاهدة
Download PDF
لم يَعُدْ ممكناً مقاربة ما يجري في لبنان باعتباره مجرد مواجهة حدودية بين إسرائيل و"حزب الله"، أو بوصفه امتداداً تقليدياً للصراع "العربي ـ الإسرائيلي" بصيغته الكلاسيكية. فالمنطقة بأسرها دخلت مرحلة انتقال جيوسياسي عميق، تتقاطع فيها إعادة رسم خرائط النفوذ، مع تحوُّلات أسواق الطاقة، وصراع الممرّات البحرية، وإعادة تعريف أدوار الدول الإقليمية، فضلاً عن محاولة الولايات المتحدة إعادة تنظيم توازُناتها العالمية بعد سنوات من الاستنزاف العسكري والسياسي.
في هذا السياق، يتحوّل لبنان تدريجياً إلى إحدى الساحات المركزية في اختبار شكل النظام الإقليمي الجديد. ولذلك فإنّ المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية لا يمكن فهمها فقط كآلية لوقف الحرب أو تثبيت الهدنة، بل بوصفها جزءاً من محاولة أوسع لإنتاج واقع سياسي وأمني جديد في المشرق، يتداخل فيه الأمن الحدودي مع مستقبل النفوذ الإيراني، ودور الجيش اللبناني، وحدود وظيفة الدولة اللبنانية نفسها.
كما أنّ خصوصية اللحظة الحالية تكمن في أنّ التفاوض لا يجري بعد انتهاء الحرب، بل تحت ضغط النار، وفي ظلّ استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، واتساع نطاق الإخلاءات، والتدمير الممنهج للبنية المدنية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية. وهذا ما يجعل المسار الحالي أقرب إلى "تفاوُض قسريّ" تُستخدم فيه القوة العسكرية كوسيلة لتعديل التوازُنات السياسية مسبقاً، قبل الوصول إلى أيّ تسوية نهائية.
التحول الأمريكي: من إدارة الاستقرار إلى إعادة بناء النظام الأمني
منذ نهاية حرب تموز 2006 اعتمدت الولايات المتحدة مقاربة تقوم على إدارة الاستقرار اللبناني أكثر من إعادة صياغته. فقد كان الهدف الأساسي منع انهيار الدولة، والحفاظ على الحدّ الأدنى من التوازن الداخلي، ومنع انزلاق لبنان إلى حرب أهلية جديدة، بالتوازي مع دعم المؤسسة العسكرية وتعزيز حضورها التدريجي. لكن ما يجري اليوم يعكس تحوُّلاً جوهرياً في هذه المقاربة.
الإدارة الأمريكية الحالية لم تَعُدْ تكتفي بمنع الانهيار، بل تسعى إلى اختبار إمكانية إعادة إنتاج معادلة أمنية جديدة بالكامل، يكون فيها الجيش اللبناني الطرف المركزي الوحيد في إدارة الجنوب، فيما يجري تقليص هامش الحركة العسكرية لحزب الله إلى الحدّ الأدنى الممكن. ومن هنا يمكن فهم الإصرار الأمريكي على إطلاق "مسار أمني" منفصل عن المسار السياسي، وعلى عقد اجتماعات مُباشِرة في البنتاغون، بعيداً عن الصيغ التقليدية المرتبطة بالأمم المتحدة أو لجنة الميكانيزم.
الأخطر في هذا التحول أنّ واشنطن بدأت للمرة الأولى تربط علناً بين استمرار الدعم العسكري للجيش اللبناني وبين مستوى التقدم في ملفّ سلاح حزب الله. وهذا تطوُّر بالغ الحساسية؛ لأنه يعني عملياً إدخال المؤسسة العسكرية في قلب الاشتباك السياسي الداخلي، بعد سنوات من محاولة تحييدها عن الانقسامات الكبرى. كما يعكس اقتناعاً أمريكياً بأنّ أيّ تغيير فعلي في المعادلة اللبنانية لن يكون ممكناً من دون إعادة تعريف دور الجيش ووظيفته الأمنية والسيادية.
غيرَ أنّ هذه المقاربة تصطدم بإشكاليات معقَّدة. فالجيش اللبناني، رغم حضوره المؤسساتي، لا يزال يعمل ضِمن توازُنات طائفية وسياسية دقيقة، ولا يمتلك الغطاء الداخلي الكافي للدخول في مواجهة مباشرة مع حزب الله أو بيئته. كما أنّ أيّ محاولة لدفعه بسرعة نحو هذا الدور قد تؤدي إلى اهتزاز التوازن الداخلي للمؤسسة نفسها، وهو ما تدركه واشنطن جيداً. لذلك يبدو أنّ المقاربة الأمريكية تقوم على "التدرج البطيء" ومحاولة خلق وقائع تراكمية، أكثر من الذهاب إلى صدام مباشر وسريع.
إسرائيل ومحاولة إنتاج "جنوب جديد"
ميدانياً، تتصرف إسرائيل انطلاقاً من قناعة بأنّ ما بعد حرب 2024 يجب أن يختلف جذرياً عمّا بعد حرب 2006. فتل أبيب تعتبر أنّ البيئة الأمنية التي نشأت بعد القرار 1701 سمحت لحزب الله بإعادة بناء بنيته العسكرية تدريجياً، وتوسيع حضوره اللوجستي والعملياتي جنوب الليطاني وشماله. لذلك فإنّ الهدف الإسرائيلي الحالي لا يقتصر على وقف إطلاق الصواريخ أو إبعاد مقاتلي الحزب عن الحدود، بل يتصل بإعادة صياغة الواقع الجغرافي والأمني والبشري في الجنوب اللبناني.
من هنا، يمكن فهم سياسة "الأرض المحروقة" التي تعتمدها إسرائيل، عبر التدمير الواسع للقرى، واستهداف الطرق والجسور والبنى التحتية، وفرض موجات إخلاء متكررة تمتدّ أحياناً إلى مناطق تقع شمال الليطاني. فهذه السياسة لا تستهدف فقط الضغط العسكري، بل خلق واقع ديموغرافي جديد، يجعل عودة السكان وإعادة ترميم البيئة الاجتماعية للحزب أكثر صعوبة وتعقيداً.
كما أنّ إسرائيل تحاول فرض ما يشبه "الحزام الأمني بالنار"، من خلال السيطرة على المرتفعات والمفاصل الحيوية، وتوسيع نطاق المراقبة والاستهداف، بما يسمح لها عملياً بإدارة جزء من الأمن الحدودي حتى من دون احتلال مباشر طويل الأمد. وهذا ما يفسر الإصرار الإسرائيلي على إدخال ملف التنسيق الأمني والعسكري المباشر ضمن المفاوضات الجارية، ومحاولة استبدال آليات القرار 1701 التقليدية بآليات أكثر التصاقاً بالمصالح الأمنية الإسرائيلية.
لكن إسرائيل تدرك أيضاً أنّ نجاح هذه الإستراتيجية يتطلب وجود غطاء سياسي داخلي لبناني، أو على الأقل غياب انفجار داخلي شامل ضدها. ولذلك تحرص تل أبيب على دفع النقاش اللبناني تدريجياً نحو تحميل حزب الله مسؤولية استمرار الحرب، وربط أي تهدئة بمدى استعداد الدولة اللبنانية لتحمُّل مسؤولياتها الأمنية جنوباً. وهي بذلك تراهن على استنزاف البيئة اللبنانية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، أكثر من رهانها على الحسم العسكري الكامل.
حزب الله: من فائض القوة إلى معضلة التموضع الجديد
بالنسبة إلى حزب الله، لا تتعلق المرحلة الحالية فقط بمواجهة عسكرية مع إسرائيل، بل بمستقبل موقعه داخل لبنان والمنطقة. فالحزب يدرك أنّ الضغوط الحالية تستهدف عملياً إعادة إنتاج البيئة التي يعمل ضِمنها، ومحاولة تقليص دوره الإقليمي وربطه تدريجياً بالسقف الذي تضعه الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي.
ومن هنا، يبدو الحزب شديد الحساسية تجاه أيّ حديث عن تنسيق أمني مباشر بين الجيش اللبناني وإسرائيل، أو عن آليات مشتركة بإشراف أمريكي؛ لأنه يرى فيها مدخلاً لتغيير قواعد الاشتباك الداخلية، لا مجرد ترتيبات حدودية. كما أنّ تصاعُد الحديث الأمريكي عن دور الجيش في ملفّ السلاح، يعزز مخاوف الحزب من محاولة تحويل المؤسسة العسكرية إلى أداة لإعادة تشكيل التوازن الداخلي اللبناني.
لكن في الوقت نفسه، يواجه الحزب معضلة حقيقية. فهو لا يريد الذهاب إلى صدام داخلي مع الجيش أو الدولة؛ لأنّ ذلك قد يؤدي إلى خسارة جزء كبير من شرعيته الداخلية، كما قد يفتح الباب أمام فوضى داخلية لا يمكن التحكم بنتائجها. ولذلك يعتمد حالياً سياسة مزدوجة تقوم على رفع سقف الخطاب والتحذير، مع تجنُّب الانتقال إلى مواجهة مباشرة. غيرَ أنّ استمرار هذا التوتر قد يؤدي تدريجياً إلى تآكُل الثقة المتبادلة بين الحزب والمؤسسة العسكرية، خصوصاً إذا توسع الدور الأمريكي داخل الجيش.
إضافة إلى ذلك، فإنّ الحزب يدرك أنّ البيئة الإقليمية المحيطة به تتغير. فإيران نفسها تواجه ضغوطاً اقتصادية وأمنية متزايدة، وسوريا تعيش مرحلة صعود سياسي، فيما تتحرك دول الخليج وَفْق أولويات مختلفة عمّا كان سائداً في العقد الماضي. وهذا ما يجعل الحزب أمام تحدي إعادة التموضع ضِمن بيئة إقليمية أقل استقراراً وأكثر براغماتية.
إيران: إدارة التفاوض لا حسمه
على المستوى الإقليمي، تبدو إيران معنية بمنع الانهيار الكامل لمسار التفاوض مع الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد تقديم تنازُلات إستراتيجية سريعة. فطهران تعتبر أنّ الحرب الأخيرة أثبتت أهمية أوراق الضغط التي تمتلكها، سواء عَبْر مضيق هرمز، أو عَبْر حلفائها الإقليميين، أو من خلال قدرتها على تهديد الاستقرار الاقتصادي العالمي.
ولذلك تعتمد إيران حالياً سياسة "إدارة الوقت"، عَبْر إبقاء خطوط التفاوض مفتوحة، من دون الوصول إلى اتفاق شامل ونهائي. وهي تراهن على أنّ الضغوط الاقتصادية العالمية، ومخاوف أسواق الطاقة، واقتراب الاستحقاقات السياسية الأمريكية، ستدفع واشنطن لاحقاً إلى تقديم تنازُلات أكبر. وفي هذا السياق، يصبح لبنان جزءاً من أوراق التفاوض، لا ملفاً منفصلاً عنها.
كما أنّ طهران ترفض عملياً أيّ محاولة لعزل حزب الله عن مسار التفاوض الإقليمي؛ لأنها تعتبر أنّ أيّ تسوية تخص لبنان يجب أن تراعي موقع الحزب ودوره. ولهذا السبب تستمر قنوات التنسيق المفتوحة مع قيادة الحزب، كما يجري بحث مستقبل التمويل وإعادة ترميم البيئة الحاضنة للحزب في مرحلة ما بعد الحرب.
الخليج وتحوُّل الأولويات الإقليمية
في موازاة ذلك، تعكس التحركات الخليجية، ولا سيما السعودية والقطرية، إدراكاً متزايداً بأنّ أيّ انفجار إقليمي واسع ستكون له تداعيات كارثية على أمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي. ولذلك تبدو دول الخليج معنية أكثر بمنع الانهيار الشامل، وبالحفاظ على حدّ أدنى من الاستقرار الإقليمي يسمح بإدارة التحولات الاقتصادية الكبرى التي تعمل عليها.
لكن هذا لا يعني العودة إلى المقاربات التقليدية تجاه لبنان أو إيران. فالخليج اليوم يتعامل ببراغماتية أكبر، ويريد تقليص مصادر التوتر الإقليمي، من دون الدخول في مواجهات مفتوحة أو مشاريع تغيير جذري سريعة. ومن هنا يمكن فهم الدعم الضمني لأيّ مسار يُخفّف التصعيد في لبنان، شرط ألَّا يتحول إلى تكريس دائم لنفوذ إيراني غير مضبوط.
خُلاصة
ما يجري اليوم يتجاوز فكرة الهدنة أو الحرب المحدودة. فالمنطقة بأسرها تعيش لحظة إعادة تأسيس للنظام الإقليمي، ولبنان يقف في قلب هذه العملية بوصفه إحدى أكثر الساحات هشاشة وتشابُكاً. ولذلك فإنّ المفاوضات الجارية ليست مجرد مفاوضات حدودية، بل اختبار حقيقي لمستقبل الدولة اللبنانية، ولدور الجيش، ولموقع حزب الله، ولحدود النفوذ الإيراني في المشرق.
وفي ظلّ استمرار الحرب المفتوحة، وتداخُل المسارات الأمنية والسياسية والإقليمية، يبدو لبنان أمام احتمالين متوازييْنِ: إمّا الدخول في مسار احتواء تدريجي يعيد إنتاج التوازُنات بصيغة جديدة أقل انفجاراً، أو الانزلاق نحو مرحلة أكثر خطورة إذا فشل التفاوض وتحوّلت الضغوط العسكرية والسياسية إلى صدام داخلي وإقليمي مفتوح.




