التقارُب المصري الإريتري يفرض لعبة محاور جديدة بالقرن الإفريقي

التقارُب المصري الإريتري يفرض لعبة محاور جديدة بالقرن الإفريقي

2026-06-04
74 مشاهدة

تتجه مصر نحو توسيع انخراطها في قضايا القرن الإفريقي وأداء دور أشمل في المنطقة، كتحرُّك مناهض لسياسات إثيوبيا التي باتت تُشكِّل قَلَقاً لدى صُنّاع القرار في القاهرة، والذين توجَّهوا في أواسط مايو/ أيار 2026 لتقوية الروابط مع إريتريا كمدخل لِلَّعِب على وتر التناقضات في العلاقة المتوترة بين الجارتين أديس أبابا وأسمرة.

التفاهمات الجديدة التي تحاول مصر إرساءَها تقضي بإعادة تعريف علاقة الدول المتشاطئة على سواحل البحر الأحمر، الذي لطالما سعت إثيوبيا للوصول إليه عَبْر الحصول على منفذ بحري، ويبدو أن القاهرة تحاول إحباط هذه المساعي بشكل جذري كمحاولة لفرض واقع جديد في القرن الإفريقي يعيد لمصر ارتباطها الجيوسياسي القديم بهذه المنطقة.

وبالنسبة لإريتريا فهي ترى أن الفرصة سانحة بتوسيع العلاقات مع مصر من أجل امتلاك أوراق ضغط أكبر على إثيوبيا لا سيما وأن الهُوَّة تتسع في الروابط التي كانت وثيقة في عام 2020 عندما تدخلت إريتريا عسكرياً لمساندة القوات الإثيوبية لمواجهة تمرُّد جبهة تحرير تيغراي، لكن الأمر انقلب كلياً بين البلدين مؤخراً بسبب اتهامات ساقتها أديس أبابا تفيد بتورط أسمرة بدعم جبهة تحرير تيغراي التي تسعى نحو التمرد من جديد.

أما فيما يخصّ الجانبَ الإثيوبيَّ فهو ينظر بريبة شديدة إلى هذا التقارب الإريتري المصري المتنامي، ويعتبره محاولة واضحة لتطويقه سياسياً وإستراتيجياً، مدفوعاً بخشيته من أن يؤدي هذا التنسيق إلى زيادة الضغوط عليه، خاصة في ملفَّيْ سد النهضة، ومذكرة التفاهم المتعثرة مع صوماليلاند لبناء ميناء يُشكّل موطئ قدم إثيوبي على سواحل البحر الأحمر.

وفي سياق المتغيِّر الذي فرضته القاهرة بالشراكة مع أسمرة، من المتوقَّع أن تحاول إثيوبيا تعزيز علاقاتها مع قُوى إقليمية ودولية أخرى لخلق توازُنِ قُوى يحمي مصالحها الحيوية في القرن الإفريقي مع إمكانية تأجيل محتمل لمساعي فرص الوصول إلى البحر الأحمر التي تتضاءَل تدريجياً في الفترة الحالية.

وما سبق لن يكون مدفوعاً بواقع الحال الجديد الذي تفرضه مصر في المنطقة فحَسْبُ، بل أيضاً يرتبط بضرورة إعادة ترتيب البيت الداخلي في إثيوبيا، والذي يشهد مرحلة حسّاسة من أبرز سماتها استمرار الوضع الأمني الهشّ في أجزاء واسعة في شمال البلاد، إلى جانب مخرجات الانتخابات العامة الإثيوبية التي انطلقت مع بداية يونيو/ حزيران 2026.

وعلى الصعيد الإستراتيجي يمكن اعتبار أن التحركات المصرية يمكن أن تعيد تشكيل قواعد الاشتباك والعلاقات على ضفة البحر الأحمر الغربية، وهذا الأمر يعني بالضرورة تحرُّك كل من مصر وإريتريا للبحث عن شراكات أوسع مع كل من السودان وجيبوتي والصومال، وفي حال تحقيق ذلك ستكون المصالح الإثيوبية مقيَّدة ومعزولة في القرن الإفريقي لفترة طويلة مقبلة.