العلاقات الصينيّة الأمريكيّة تدخل مَسار التوتر المنضبط

العلاقات الصينيّة الأمريكيّة تدخل مَسار التوتر المنضبط



تشهد العلاقات الصينية الأمريكية توتُّراً كبيراً على خلفية مواقف البلدين من عدة ملفات خلافية. وقد انعكس هذا التوتر في تزايُد معدل التراشق الدبلوماسي بين المسؤولين في واشنطن وبكين.

ويدخل مَسار العلاقات حالياً مرحلة حَرِجة ومعقَّدة في ذات الوقت، فالصين ترى أنها منافس طبيعي للولايات المتحدة، فيما تعمل الأخيرة على احتواء الصين وتعطيل مشاريعها التوسعية.

 

وقد تضافرت عدة دوافع أدت إلى تعميق الأزمة بين واشنطن وبكين إلى مستويات من الممكن القول إنها غير مسبوقة، ومن أهمّ تلك الدوافع ما يلي:

 

1. توجُّهات بايدن الحازمة تجاه الصين

نص برنامج بايدن الانتخابي على أن سياسات إدارة ترامب لم تتمكن من احتواء التوسع الصيني في العالم، وأنه ينبغي اتخاذ إجراءات أكثر ملاءَمة وتشدُّداً في التعامل مع الصين، وهو ما تبنّاه الرئيس بايدن بعد انتخابه في بناء إستراتيجية إدارته بما يخص العلاقات مع بكين، والتي حافظت على كل السياسات التي تبنّتها إدارة ترامب وأضافت لها أبعاداً جديدة، وخاصة في مجال التنافُس العسكري.

 

2. سياسات بكين تِجاه الولايات المتحدة

مضت بكين قُدماً في اتجاه تحديد إطار للعلاقة مع واشنطن في عهد الرئيس ترامب من خلال توقيع الاتفاقية التجارية (المرحلة الأولى) بينهما في 2020، لكن مفاوضات المرحلة الثانية في الاتفاقية تعرقلت بعد اتهام إدارة بايدن لبكين بأنها لم تلتزم بالاتفاقية الأولى. وعليه اتخذت بكين منحى تصاعدياً في دبلوماسيتها بُنِي على أساس أن عقد الاتفاقيات مع الولايات المتحدة لن يساهم في تحقيق مصالح الصين، بل سيقيِّدها بشكل أكبر.

 

3. قيادة العالم النامي

تحاول الولايات المتحدة إسقاط مقاربة أن الصين هي قائدة العالم النامي بناء على إستراتيجيتها الحزام والطريق والتي تركز على عَقْد شراكات طويلة المدى مع دول العالم الثالث، وقد تعهدت مجموعة السبع في اجتماعها أواخر يونيو/ حزيران الماضي بجمع حوالَيْ 600 مليار دولار من أجل دعم البِنْية التحتية في الدول النامية.

كما تعمل الولايات المتحدة على محاصرة الحضور الصيني في الدول النامية من خلال الضغط على حكومات هذه الدول لوقف أيّ تعاوُن مع الصين مقابل الحصول على الحماية أو الدعم الأمريكي بمختلف أشكاله.

 

4. تايوان

أشعلت الخلافات السابقة مُجدَّداً قضية شِبه جزيرة تايوان، وكان تجديد المواقف حولها من قِبل الولايات المتحدة والصين رد فعل "جيو-أمني" على خلفية الحرب الأوكرانية، لذلك أصبح كل من بحر الصين الجنوبي وتايوان هما ساحة التوتر الرئيسية بين البلدين حيث تجري باستمرار عدة استفزازات عسكرية من قِبل الطرفين هناك.

 

ومن المرجَّح أنه لن يتمكن البلدان من الوصول إلى حالة من التوافق إلا في حال تحقيق تقارُب أو تهدئة التوتر وتجميده على الأقل في بعض الملفات وأهمها:

 

استكمال مفاوضات المرحلة الثانية من الاتفاقية التجارية، على أن إدارة بايدن مَرِنة أكثر في احتواء مصالح الصين التجارية العالمية.

وصول الحرب الأوكرانية الروسية إلى مرحلة (جمود) أو تحرُّك إيجابي باتجاه حل واحتواء الصراع بينهما ما سيقلل من مخاوف الغرب من تحرُّكات الصين للاستفادة من تداعيات الحرب.

إحجام الصين عن القيام بالمزيد من المناورات العسكرية واختراق أجواء تايوان من جهة وأيضاً اختراق المياه الإقليمية في بحر الصين الجنوبي.

الوصول إلى اتفاق فيما يخص التغيرات المناخية والتي تلعب الصين دوراً محورياً في زيادتها، ويلحق بهذا الملف قضية أحقية الصين بالملاحة والتنقيب عن الموارد في مياه القطب الشمالي التي أعلنت عنها عام 2016.

وبناءً على ما سبق، فإنْ لم تتمكن الصين والولايات المتحدة من الوصول إلى مُقارَبات لاحتواء التصعيد -وفقاً لِمَا تم الإشارة إليه- فإن التوتر سيتصاعد لكنه لن يصل إلى نقاط حَرِجة أكثر؛ لأن البلدين ليس لديهما رغبة بالوصول إلى سيناريوهات خطيرة بمسار العلاقات، وهو ما يفسر عَقْد وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن محادثات مع نظيره وانغ بي في 9 تموز/ يوليو من أجل بحث الخلافات حول مواقف البلدين حول التجارة العالمية وأوكرانيا.