تداعيات "الصراع الإيراني–الأمريكي–الإسرائيلي" على منظومة نقل الطاقة العالمية

تداعيات "الصراع الإيراني–الأمريكي–الإسرائيلي" على منظومة نقل الطاقة العالمية

2026-04-15
84 مشاهدة
Download PDF

مقدمة  

في الثامن والعشرين من فبراير 2026، أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل ما عُرف بـ"عملية الغضب الملحميّ" (Operation Epic Fury) ضدّ إيران، محوِّلةً سنواتٍ من التصعيد المتراكم إلى مواجهةٍ عسكريةٍ مفتوحةٍ. لا يمثّل هذا الصراع مجرد حدثٍ إقليمي، بل يُعيد تشكيل معادلات أمن الطاقة العالمي في لحظة تتسم بهشاشة سلاسل الإمداد، وتعطُّش الاقتصادات الكبرى للمحروقات. فمنطقة الخليج العربي، المَعبر الأكثر تمثيلاً لاقتصاد النفط والغاز، تتحمل وحدها ما يزيد على خُمس احتياجات الطاقة للعالم. ومن هذه الزاوية التحليلية، يصبح فهمُ أبعاد هذا الصراع على منظومة نقل الطاقة ضرورةً إستراتيجيةً لا تَرَفاً فكرياً.  

يرتكز الصراع على ثلاثة محاور تاريخية متشابكة: البرنامج النووي الإيراني، والتنافس الإقليمي بين طهران وتل أبيب، والمصالح الإستراتيجية الأمريكية في الحفاظ على النظام الأمني الخليجي. وما يُضفي على هذا الصراع طابعاً اقتصادياً استثنائياً هو الموقع الجغرافي لإيران، الذي يُمكّنها من التأثير المباشر في أحد أهم شرايين الطاقة العالمية؛ مضيق هرمز. وفي هذا السياق يَبرز الموقع الجغرافي السوري بوصفه بديلاً إستراتيجياً محتملاً لنقل الطاقة، لم يكن يحظى حتى وقت قريب بالاهتمام الإستراتيجي الذي يستحقه.  

أولاً: التأثيرات المباشرة على شرايين الطاقة  

1. مضيق هرمز: الحصار الذي أشعل العالم  

يُمثّل مضيق هرمز نقطة الضغط الجيواقتصادية الأشد حساسيةً على وجه الأرض؛ إذ يمر عَبْره نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات النفطية، ما يعادل خُمس الاستهلاك العالمي، فضلاً عن 20% من تجارة الغاز الطبيعي المُسال (LNG) العالمية.  

 ومع بَدْء الحرب، أعلنت إيران إغلاقاً فعلياً للمضيق، فتوقفت الناقلات، واضطرت شركة QatarEnergy إلى الإعلان عن قوة قاهرة على جميع صادراتها. وقد تراكمت في خزانات السعودية والعراق والإمارات والكويت ما يزيد على 140 مليون برميل في غضون أيام دون أن تتمكن من تحميلها.  

في هذا السياق، تمتلك كلٌّ من السعودية والإمارات مسارين بديلين لتصدير النفط بعيداً عن مضيق هرمز: خط بترولاين السعودي نحو ميناء ينبع على البحر الأحمر بطاقة فعلية 3.66 مليون برميل/يوم، وخط ADCOP الإماراتي نحو ميناء  الفجيرة على خليج عُمان بطاقة 1.8 مليون برميل/يوم. ومع ذلك، تبقى هذه القدرات غير كافية لتغطية كامل الصادرات الاعتيادية، إذ لا تُمكّنهما من تصدير سوى أقل من نصفها، ما يفضي إلى اختناق هيكلي حادّ في الإمدادات.  

2. خطوط الأنابيب في الشرق الأوسط وسوريا: بوابة الطاقة المُهمَلة  

تعرّضت البِنْية التحتية لشبكة الأنابيب الإقليمية لضغوطٍ مزدوجة: فمن جهة، أوقفت دول الخليج ضخّ النفط بسبب امتلاء خزاناتها، ومن جهة أخرى، جاءت الغارات على المنشآت الإيرانية لتُعطّل قدرات التكرير. وأشارت بعض   التقديرات إلى أن الإغلاق أفضى إلى عجز يومي يتراوح بين 6 و7 ملايين برميل عن الطلب الفعلي.  

في هذا السياق، تبرز سوريا بوصفها ممرّاً جيوطاقوياً إستراتيجياً لا غنى عنه. فسوريا تقع على تقاطُع المحاور التي تربط حقول النفط والغاز العراقية والخليجية بموانئ البحر الأبيض المتوسط، مما يجعلها نقطة عبور محورية تخترق تصاميم عدة مقترحات لخطوط أنابيب إقليمية كبرى. يُعَدّ خط أنابيب "كركوك–بانياس" التاريخي، الذي كان يحمل النفط العراقي إلى الساحل السوري على المتوسط، من أبرز هذه المسارات التي يُمكن إعادة تأهيلها في ضوء أزمة هرمز. علاوةً على ذلك، فإن مشروع خط الغاز العربي الذي أُريد له أن يمتد من مصر عَبْر الأردن وسوريا نحو لبنان وتركيا وأوروبا، يُعيد مكانةَ سوريا مساراً لا يمكن تجاوُزه لتنويع طرق إمداد الغاز الطبيعي إلى الأسواق الأوروبية بعيداً عن الممرات الخليجية ذات الأخطار المرتفعة. كما تتيح سوريا لدولة العراق تصدير نفطها عبر ميناء بانياس على المتوسط بدلاً من الاعتماد على مضيق هرمز، مما يمنح بغداد هامشاً جيوسياسياً نادراً في ظلّ الأزمة الراهنة. وتكتسب هذه الأهمية الإستراتيجية زخماً استثنائياً مع مرحلة إعادة الإعمار السورية التي تُتيح فرصة تأسيس منظومة طاقوية حديثة، تُحوّل سوريا من دولة تعاني شُحّ الطاقة إلى عقدة ربط طاقوي إقليمية.  

3. مضيق باب المندب: التهديد المُضاعَف  

في مارس 2026، لوّح الحرس الثوري الإيراني بإغلاق مضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن. وقد أعاد الحوثيون في اليمن تفعيل قدراتهم في هذا الممر الحيوي، مما دفع بعضَ المحلِّلين إلى تحذير من أن إغلاق كِلا المضيقين معاً سيحجب ما يزيد على ربع إمدادات الطاقة البحرية العالمية. كذلك رفعت شركات التأمين البحري أقساطها بصورة استثنائية، وباتت الناقلات تسلك طريق رأس الرجاء الصالح مضيفةً أسبوعين من الوقت ومئات الآلاف من الدولارات في تكاليف الرحلة.  

ثانياً: التداعيات على الأسواق العالمية  

1. صدمة أسعار النفط والغاز  

ارتفعت أسعار النفط بنحو 50% خلال الأسبوع الأول من اندلاع الصراع؛ إذ قفز خام برنت من نحو 70 دولاراً قُبيل الضربات إلى ما فوق 82 دولاراً في أولى جلسات مارس، ثم اخترق حاجز 120 دولاراً للبرميل إثر الإغلاق الفعلي للمضيق. أما الغاز الطبيعي الأوروبي، فقد تضاعفت أسعاره تقريباً في غضون أسبوع واحد من اندلاع الصراع، إذ قفز  مؤشر TTF من 32 يورو/ميغاواط ساعة قُبيل الحرب إلى ما فوق 60 يورو بارتفاع ناهز 90%، ثم واصل تسلُّقه ليُسجّل مكاسب إجمالية تجاوزت 55% خلال الأسابيع التالية، مدفوعاً بالضربات على البِنْية التحتية الطاقوية في المنطقة. وقد رجّحت بعض التقارير اتجاهاً تصاعُدياً في أسعار الطاقة، بحيث قد تصل إلى ما بين 120 و150 دولاراً للبرميل في حال استمرار الصراع.  

2. تقلُّبات الأسواق المالية  

تُمثّل أسواق الطاقة أحد أكبر عوامل الدفع للتضخم العالمي؛ وقد أفضى الارتفاع الحادّ في أسعار النفط إلى موجات تقلُّب في أسواق الأسهم والسندات. وتُظهر التقديرات أن استمرار الصراع يشكّل عاملاً ضاغطاً قد يدفع خام برنت إلى مستوى يقارب 130 دولاراً خلال الربع الثاني من عام 2026. في المقابل، أعلن اليوم الثامن من إبريل 2026 عن هدنة لأسبوعين أسفرت عن انخفاض فوري في أسعار النفط والغاز الأوروبي بنسبة 20%، مما يُجلّي مدى الارتباط الهشّ لهذه الأسواق بالمسار السياسي للصراع.  

3. الدول المستورِدة والمصدِّرة  

تعاني الاقتصادات الآسيوية الكبرى كالصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية ضغطاً استيرادياً هائلاً، بينما تجد الدول المصدِّرة في آسيا الوسطى وإفريقيا أمام نافذةٍ سعريةٍ مواتيةٍ. أما دول الخليج المُنتِجة فهي في موقف متناقض: تستفيد نظرياً من الأسعار المرتفعة، لكنها عملياً عاجزة عن التصدير بسبب إغلاق المضيق. وهنا تتجلى القيمة الإستراتيجية لسوريا بصورة جليّة؛ إذ إن إعادة تفعيل خطوط الأنابيب العابرة لأراضيها ستُتيح لدول الخليج تصريف جزء من فائضها الإنتاجي نحو أسواق أوروبا والمتوسط عَبْر مسارات بريّة بمنأى عن الحصار البحري.  

ثالثاً: مقارنات دولية  

1. حرب الخليج 1990 مقابل الأزمة الراهنة  

ثَمَّة أوجُه تشابُه لافتة بين أزمة 1990 وما يجري اليوم، غيرَ أن الفوارق الجوهرية تجعل أزمة 2026 أشد وطأةً وأبعد تأثيراً. ففي أغسطس 1990، أسفر غزو العراق للكويت عن خروج نحو 4 ملايين برميل يومياً من الأسواق ، وتضاعفت الأسعار سريعاً في النصف الثاني من ذلك العام. لكن الصدمة حينذاك كانت محلية المصدر، إذ اقتصر التعطّل على إنتاج دولتين بعينهما، بينما ظلّت ممرات الشحن مفتوحة وسلوكها آمناً. في المقابل، تستهدف أزمة 2026 الشريانَ الوحيد الذي تعتمد عليه جميع دول الخليج دفعةً واحدةً؛ فهي لا تُقيّد إنتاجاً بعينه، بل تُحاصر منفذ التصدير الكلّي لما يزيد على 20 مليون برميل يومياً. علاوةً على ذلك، أتاحت أزمة 1990 للسعودية هامشاً لرفع إنتاجها تعويضاً عن العجز الناجم عن خروج العراق والكويت، وهو ما لا ينطبق على الوضع الراهن، حيث تجد الرياض نفسها شريكةً في المعاناة لا مُنقذةً منها. أما البُعد السوري فقد كان غائباً كلياً في معادلة عام 1990 حيث لم تكن البِنْية التحتية لخطوط الأنابيب قد بلغت المستوى الذي يجعل سوريا طرفاً فعلياً في المعادلة الطاقوية الإقليمية.  

2. الحرب "الروسية–الأوكرانية" 2022–2025  

كشفت تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا عن الهشاشة البِنْيويّة لاعتماد أوروبا على مصدر واحد للطاقة؛ إذ تراجعت حصة روسيا من واردات الغاز الأوروبي من حوالَيْ 35% عام 2021 إلى ما دون 10% عام 2025. غيرَ أن هذه الأزمة تختلف جذرياً عن الأزمة الراهنة في أن الغاز الروسي عُوِّض تدريجياً بالغاز المُسال الأمريكي والنرويجي، في حين لا يوجد بديل جاهز يستوعب جميع صادرات الغاز المُسال القطرية والإماراتية المُعلَّقة. ومن هنا بالتحديد تتجدد الأهمية الإستراتيجية لسوريا: فتجربة أوروبا مع الغاز الروسي تُثبت أن المسارات البريّة للغاز عَبْر دول العبور تمثّل بديلاً أكثر مرونةً ودواماً من الاعتماد على الشحن البحري عَبْر الممرّات المعرَّضة للإغلاق. والدرس الجوهري هنا أن الحرب الأوكرانية أتاحت وقتاً للتكيف، بينما أحدثت أزمة 2026 صدمةً آنيةً وفجائيةً لا تحتمل الانتظارَ.  

رابعاً: تحليل السيناريوهات المستقبلية  

1. سيناريو التصعيد  

في حال تحوُّل الهدنة إلى مجرد استراحة وليس وقفاً دائماً للنار، ستتجدد المواجهة بشكل أشدّ وطأةً. في هذا السيناريو، تشير التقديرات إلى أن خام برنت سيبلغ بين 130 دولاراً إلى 150 دولاراً في الحالات القصوى. أما إغلاق باب المندب إضافةً إلى هرمز، فسيحجب ما يتجاوز ربع الإمدادات البحرية العالمية، مما يُدخل الاقتصاد العالمي في ركود طاقوي تاريخي. في هذا السيناريو بالذات، يرتفع الطلب الدولي على المسارات البرية للطاقة عَبْر سوريا إلى مستويات قياسية، مما يمنح دمشق ثقلاً تفاوضياً نادراً على المستوى الإقليمي والدولي.  

2. سيناريو الاحتواء  

تُمثّل الهدنة المُعلَنة في الثامن من إبريل 2026 بوادر هذا السيناريو؛ إذ تتضمن إعادة فتح هرمز مرحلياً. إذا انتهى النزاع سريعاً فقد يعود برنت إلى 65 دولاراً مطلع عام 2027. غيرَ أن الاحتواء الجزئي لا يعني إزالة الأخطار الهيكلية، فبقاء القدرة الإيرانية على إغلاق المضيق مُعطِّلٌ كافٍ لأقساط التأمين المرتفعة. وحتى في سيناريو الاحتواء، تبقى الحاجة إلى المسارات البديلة عَبْر سوريا قائمةً بوصفها تحوُّطاً إستراتيجياً ضرورياً.  

3. سيناريو إعادة تشكيل مسارات الطاقة عالمياً  

ربما يكون التأثير الأبقى لهذه الأزمة هو التسريع في إعادة رسم خارطة الطاقة العالمية. تتجه الاقتصادات الآسيوية الكبرى نحو تنويع مصادرها باتجاه الغاز الأمريكي والأذربيجاني والإفريقي، بينما ترفع الولايات المتحدة وأستراليا طاقتهما التصديرية من الغاز المُسال. وفي هذا السيناريو تحديداً، تنتقل سوريا من هامش المعادلة الطاقوية إلى مركزها: فإعادة تأهيل خطوط الأنابيب العابرة لأراضيها، وتطوير بِنْية تحتية للغاز الطبيعي الرابط بين الخليج وأوروبا عبر الشام، يُمثّل فرصةً تاريخية تضع سوريا في مصافّ دول العبور الإستراتيجي كتركيا وأوكرانيا.  

الخاتمة   

تُجسّد أزمة 2026 مرحلةً في تاريخ الطاقة تُوازي ما مثّله عام 1973 من كسر لقواعد الاعتماد المتبادل التلقائي. المؤشرات ترسم عالماً طاقوياً متجهاً نحو التَّجْزِئة الإقليمية بدلاً من التكامل العالمي، حيث تُسرّع الصدمة الراهنة إزاحة النفط الشرق أوسطي لصالح الطاقة المتجددة والغاز الأمريكي في الأسواق الغربية، بينما تستمر آسيا بالاعتماد على الممرّات الخليجية لعَقْد قادم على الأقل.  

 وفي قلب هذا التحوُّل تَبرز سوريا؛ دولة خرجت لتَوِّها من حرب مدمّرة، لكنها تجد نفسها أمام فرصة استثنائية لإعادة تموضعها في المنظومة الطاقوية الإقليمية، شريطة تبنّي سياسة إستراتيجية واعية، بعيداً عن منطق الانتظار السلبي لإملاءات موازين القوى. وبينما تُفرز الهدنة المُعلنة اليوم قدراً من التفاؤُل في الأسواق، يبقى مضيق هرمز قنبلةً موقوتةً في قلب النظام الاقتصادي العالمي، لا يمكن تفكيك فتيلها بالهدنات المؤقتة، بل بإعادة هندسة شاملة لمنظومة الأمن الطاقوي الدولي يكون فيها للممرات البرية عَبْر بلاد الشام دورٌ محوريّ لا يُستهان به.