قراءة في الاتفاق المرحليّ للحرب "الأمريكية–الإسرائيلية" على إيران
2026-04-0895 مشاهدة
يُعتبر الإعلان عن التوصل إلى الاتفاق كنتيجة مباشرة لمسار طويل من الوساطات الدبلوماسية المكثفة، التي انخرطت فيها قُوى إقليمية ودولية، مدفوعة بإدراك متزايد لخطورة استمرار التصعيد واحتمالات تحوُّله إلى صراع واسع النطاق يصعب احتواؤه على المستوييْنِ الأمني والجغرافي.
ويعكس هذا التطور محاولة جماعية لضبط إيقاع الأزمة ومنع انزلاقها نحو سيناريوهات أكثر تعقيداً، دون أن يعني ذلك بالضرورة معالجة الجذور البِنْيويّة العميقة للصراع.
هذا الاتفاق –في حال تثبيته– لا يمكن اعتباره تسوية نهائية، بل يمثل إعادة تموضع تكتيكية للأطراف الرئيسية. فمن المرجح أن تسعى الولايات المتحدة الأمريكية -لا سيما ضِمن الخطاب السياسي المرتبط بشخصيات مثل ترامب- إلى تقديم نفسها بوصفها الطرف الذي حقق نصراً ذا مكاسب إستراتيجية ملموسة، من خلال إضعاف البِنْية الصلبة للنظام الإيراني، سواء عَبْر استهداف المرشد ومراكز القيادة، أو تقويض نفوذ الحرس الثوري الإيراني، أو الحدّ من الامتدادات الإقليمية لطهران، خصوصاً في ساحات مثل لبنان عبر حزب الله.
في المقابل، سيعمل الجانب الإيراني على ترسيخ سردية مغايرة تستند إلى مفهوم “الصمود الإستراتيجي”، أي القدرة على امتصاص الضغوط الأمريكية والإسرائيلية دون الانهيار، وفرض معادلة تفاوضية لا تقتضي تقديم تنازُلات جوهرية تمسّ جوهر المشروع السياسي أو النفوذ الإقليمي.
ويعكس هذا التبايُن في السرديات طبيعة الصراعات المعاصرة، حيث يتداخل البُعد العسكري مع البُعد الإدراكي والإعلامي، ويصبح التحكم بالرواية عنصراً حاسماً في تعريف “النصر”.
مع ذلك تشير القراءة الواقعية إلى أن الصراع لم يُحسم، بل دخل مرحلة جديدة تتسم بانخفاض مستوى المواجهة المباشرة مقابل تصاعُد أدوات الضغط غير المباشر. وتشمل هذه الأدوات العقوبات الاقتصادية، وإستراتيجيات الاستنزاف طويل الأمد، والضغوط السياسية متعددة المستويات، بما يهدف إلى دفع النظام الإيراني نحو تحوُّلات داخلية قد تمسّ بِنْيته الاقتصادية والاجتماعية، وتؤثر على تماسُكه على المدى المتوسط والبعيد.
في هذا الإطار، لا يُستبعد أن تعمد الولايات المتحدة الأمريكية إلى توظيف ملفّ البرنامج النووي الإيراني كأداة ضغط إستراتيجية متعددة الأبعاد، ليس فقط في سياق الردع أو الاحتواء، بل أيضاً كمرتكز لبناء سَرْدِيّة سياسية تُبرر تصعيداً أكبر في المستقبل.
ويستحضر هذا الطرح سوابق تاريخية، أبرزها ما جرى قُبيل حرب العراق 2003، حيث تم استخدام مزاعم امتلاك أسلحة دمار شامل –بما فيها الأسلحة الكيميائية– كجزء من الإطار التبريري للتدخل وتغيير النظام.
وانطلاقاً من ذلك، قد يُعاد إنتاج نمط مشابه من الخطاب، عبر التركيز على التهديد النووي الإيراني بوصفه خطراً يتجاوز الإقليم إلى الأمن الدولي، بما يتيح خلق بيئة سياسية وقانونية مهيأة لأيّ تحرُّك تصعيدي محتمل، مع بقاء هذا السيناريو مرتبطاً بجملة من المحدِّدات الدولية والإقليمية.
ضِمن هذا السياق، يبقى الشعب الإيراني الحلقة الأكثر هشاشة في هذه المعادلة، إذ يواجه ضغوطاً مزدوجة: داخلية مرتبطة بطبيعة النظام السياسي، وخارجية ناتجة عن العقوبات والحصار، ما يفاقم التحدِّيَات المعيشية ويحدّ من فرص الاستقرار والتنمية.
إقليمياً، تقع دول الخليج العربي في موقع شديد الحساسية. فرغم أنها ليست طرفاً مباشراً في جميع مسارات الصراع، إلا أنها كانت -ولا تزال- من أكثر المتأثرين بتداعياته، سواء من خلال التهديدات الأمنية أو الضغوط السياسية. وقد أظهرت التجارب السابقة أن الردود الإيرانية المباشرة استهدفت هذه الدول في سياق توجيه رسائل إستراتيجية مرتبطة بالمواجهة مع واشنطن، ما يضعها في دائرة التأثر المستمر بتقلبات هذا الصراع.
بناءً على ذلك، يمكن توصيف المرحلة المقبلة بأنها مرحلة “استقرار هشّ”، حيث يتراجع التصعيد العسكري المباشر دون أن تُحَلّ الأسباب الجوهرية للأزمة. وهو ما يفرض على دول الخليج تبني مقاربة أكثر تماسُكاً وتنسيقاً، ترتكز على تعزيز منظومات الأمن الجماعي، وتقوية الجبهة الداخلية، وبناء توازُنات إقليمية مَرِنة، بالتنسيق مع محيطها العربي والإسلامي، بما يمكّنها من احتواء أيّ تحوُّلات مفاجئة في البيئة الإستراتيجية.
في المحصِّلة لا يبدو أن هذا الاتفاق –حتى في حال استمراره– سيشكل نهاية للصراع، بل يمثل محطة ضِمن مسار طويل من التنافس الإستراتيجي المفتوح. ومن المرجَّح أن تستمر ديناميكيات هذا التنافس بأشكال وأدوات متعددة، ما يعني أن المنطقة ستظلّ عُرْضة لإعادة التشكُّل وَفْق توازُنات متغيرة، تفرض على مختلف الفاعلين الإقليميين مستويات عالية من التكيف والجاهزية في بيئة تتسم بعدم اليقين والتقلب المستمر.




