التصعيد "السوداني الإثيوبي" وتفاعُلاته مع توتُّرات البحر الأحمر والقرن الإفريقي

التصعيد "السوداني الإثيوبي" وتفاعُلاته مع توتُّرات البحر الأحمر والقرن الإفريقي

2026-05-19
77 مشاهدة
Download PDF

مقدمة 

يُمثّل التصعيد "السوداني الإثيوبي" على خلفية استهداف مطار الخرطوم في 4 أيار/ مايو 2026 نقطة تحوُّل حسّاسة في مسار العلاقات بين البلدين، إذ يعكس انتقال التوتر من مستوى الخلافات السياسية التقليدية إلى مستوى "الاشتباك غير المباشر" الأكثر خطورة لارتباطه بالأمن السيادي والعمليات غير المباشرة، ما يضعها على حافّة المواجهة الأمنية والعسكرية. ولا يمكن عزله عن السياق الأوسع لإعادة تشكيل موازين القُوَى، وعن التحولات الجيوسياسية العالمية التي تدفع نحو إعادة رسم خرائط النفوذ في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي. 

يحاول تقدير الموقف الإجابة على  سؤال رئيسي مفاده: ما السيناريوهات المحتملة لمسار التصعيد "السوداني الإثيوبي" في ظلّ التوازنات الإقليمية في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي؟  وذلك وَفْق ما يلي: 

أولاً: هجمات المسيَّرات وتغيير قواعد الصراع في السودان: 

أعلنت وزارة الخارجية السودانية استدعاء سفيرها لدى إثيوبيا للتشاور في 5 أيار/ مايو 2026، متهمة أديس أبابا بـالتورط في قصف مطار الخرطوم بالمسيرات، بينما رفضت إثيوبيا ما وصفته بـ "الاتهامات الباطلة"، متهمة القوات المسلحة السودانية بتسليح قوات "جبهة تحرير شعب تيغراي" في إثيوبيا [1] ، الأمر الذي يزيد من صعوبة تقدير المشهد ويعكس انهياراً واضحاً في الثقة السياسية، ويؤشر إلى أن العلاقة دخلت مرحلة "التصعيد المتبادل" بدلاً من الاحتواء، ما يمثل تحوُّلاً نوعياً في أدوات الضغط والتأثير داخل منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي. 

حيث لا يمكن قراءة المشهد بمعزل عن الملفات المزمنة التي تؤثر على استقرار منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي، في مقدمتها النزاع حول منطقة الفشقة الحدودية بين البلدين، والذي يجسد نمطاً إفريقياً أشمل بتحوُّل الحروب الداخلية إلى أنظمة إقليمية مفتوحة تستقطب القوى الخارجية وتُرسخ دورات العنف، على غرار أزمة سدّ النهضة الإثيوبي الذي يُدوّن مرحلة تاريخية جديدة في معادلة مياه  نهر   النيل بين  القاهرة   والخرطوم   وأديس أبابا ، وهو بداية لفصل جديد من النزاع حول الموارد المائية، ويعكس نهجاً إثيوبياً قائماً على فكر يسعى إلى محاولات لفرض الهيمنة المائية بدلاً من تبني مبدأ الشراكة والتعاون. 

 يتفاقم تأثير هذه الهجمات مع التحول الجوهري في موازين القوى في مسرح العمليات الميدانية في الحرب السودانية، الذي تمثل في الاعتماد المكثف من قِبل قوات الدعم السريع على الطائرات المسيَّرة ونجاحها في تدمير أهداف عسكرية للجيش والقوات المساندة له في مدينة الأبيض بشمال كردفان، كوستي وربك وكنانة بولاية النيل الأبيض، بالإضافة للخرطوم وأم درمان، في إطار خُطوة استباقية تستهدف تعطيل تحركات الجيش الرامية إلى فكّ الحصار عن مدينة الأبيض واستعادة السيطرة على شمال كردفان ودارفور، وبالتوازي مع محاولة تقويض رمزية العاصمة بوصفها مركزاً للسلطة، وإبقاء حالة عدم الاستقرار قائمة فيها، بما يحدّ من قدرة الجيش على توظيف سيطرته عليها في ترسيخ شرعيته. 

ثانياً: صراع إرادات في البحر الأحمر والقرن الإفريقي: 

الواقع، أن المشهد الأخير في أبعاده الكاملة يتجاوز حدود التوتر "السوداني الإثيوبي"، ليغدو انعكاساً لصراع إرادات المصالح الإقليمية والدولية على النفوذ في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي. خاصة مع توالي الاتهامات السودانية بدعم دولة الإمارات لإثيوبيا بالتورط في هذه الضربة الجوية، ولقوات الدعم السريع في الحرب الدائرة منذ منتصف نيسان/ إبريل 2023 [2] . 

في ظلّ تصاعُد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا على خلفية مساعي أديس أبابا للوصول إلى البحر الأحمر واستعادة منفذ "عصب" الذي فقدته قبل عقود منذ استقلال إريتريا، تتزايد المخاوف الإقليمية من احتمالات انزلاق منطقة القرن الإفريقي إلى حرب مفتوحة، خاصة مع اتهام أديس أبابا جارتها بـ "الاستعداد لحرب" ضدها، من خلال تمويل وتوجيه ميليشيا "فانو" المتمردة التابعة لقومية الأمهرة و"الجبهة الشعبية لتحرير تيجراى" لتأجيج العنف شمال البلاد، ما يشكل انتهاكاً مباشراً لاتفاق بريتوريا للسلام 2022، مطالبة المجتمع الدولي بالضغط على أسمرة لوقف ما سماه بـ "الأعمال العدائية المباشرة وغير المباشرة"، وفقاً للرسالة التي وجّهها وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس في 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2025 إلى الأمين العامّ للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش. وهو ما أسفر عن مبادرة الجانبين إلى تعزيز قدراتهما بحشود عسكرية قرب الحدود، في ظلّ توتُّر إريتريا بشأن سيادتها ووحدتها الوطنية، فضلاً عن استباق أيّ تحرُّكات إثيوبية محتملة عَبْر تعزيز تحالفاتها الإقليمية. 

في ظلّ هذه التطورات، يأتي سعي القاهرة لإبرام اتفاقيات أمنية وسياسية للدفاع عن مصالحها ومهدِّدات أمنها القومي في منطقة البحر الأحمر لمواجهة التحركات الإثيوبية التي تأتي ضِمن مشروع توسُّعيّ يستهدف تغيير موازين القوى في القرن الإفريقي والبحر الأحمر. منها اتفاقات الدفاع المشترك مع إريتريا في أيلول/ سبتمبر ٢٠٢٣، ومع الصومال في كانون الثاني/ يناير ٢٠٢٤، واتفاق تعاون إستراتيجى مع الصومال وإريتريا في تشرين الأول/ أكتوبر ٢٠٢٤، للحفاظ على وحدة الصومال وسيادته، ودعم سيادة إريتريا وسلامة أراضيها وتكثيف الجهود ومواصلة التشاور لتحقيق الاستقرار في السودان، فضلاً عن التصدي لمحاولات تواجُد أيّ دولة غير مشاطئة على سواحل البحر الأحمر [3] .. وهو ما ينذر بصراع جيوسياسي مفتوح على النفوذ الإقليمي بين مصر وإثيوبيا. 

وبالتالي، فإن أيّ تصعيد بين السودان وإثيوبيا قد يعيد تشكيل التحالفات الإقليمية، ويدفع نحو اصطفافات جديدة في ظلّ تداخُل الملفات الشائكة. خاصة مع توالي ردود الفعل الدولية والإقليمية على الهجوم على مطار الخرطوم، وفي مقدمتها بريطانيا والولايات المتحدة ومصر التي اعتبرته انتهاكاً لسيادة السودان وتهديداً لسلامة المنشآت المدنية، فضلاً عن كونه تصعيداً خطيراً من شأنه تعقيد الأوضاع الأمنية والإنسانية في السودان، وعرقلة المساعي الجادّة المبذولة للتوصل لهدنة إنسانية تؤسس لوقف كامل لإطلاق النار تمهيداً لإطلاق عملية سياسية شاملة بملكية سودانية كاملة دون أيّ تدخُّلات خارجية [4] . متوافقاً مع الردّ السعودي الذي أدان واستنكر بشدة استهداف مطار الخرطوم مؤكداً الحفاظ على وحدة السودان ومؤسساته الشرعية ومقدرات شعبه وأمنه واستقراره [5] . وبالرغم من أن إريتريا لم تصدر بياناً رسمياً، فإنه يُعرف عن أسمرة دعمها الكامل للجيش السوداني والحكومة الشرعية، وتأكيدها على أن بقاء الدولة السودانية المركزية لتكون  قادرة على ضبط الحدود، يحول دون انتقال عدوى الانهيار إلى الداخل الإريتري. 

 ثالثاً: سيناريوهات مسار التصعيد 

يجنح التصعيد السوداني الإثيوبي نحو صناعة مواجهات إقليمية ما يرفع منسوب التوتر الإقليمي، ويضعنا أمام ثلاثة سيناريوهات لا تتعارض بالضرورة، بل قد تتقاطع أو تتدرّج زمنياً وَفْق تطوُّر المعطيات: 

السيناريو الأول، التصعيد العسكري المحدود (الأكثر ترجيحاً) أيْ وقوع مناوشات حدودية محدودة ومتباعدة، دون الدخول في حرب شاملة يدرك الطرفان جيداً كلفتها الوجودية الكارثية. وذلك في ظلّ وضع القوات المسلحة الراهن المنهك جراء الصراعات الداخلية، والتي لا تملك القدرة الذاتية على فتح جبهة قتال جديدة وواسعة النطاق مع إثيوبيا. إلى جانب تعقُّد الأزمات الداخلية في إثيوبيا، ومخاطر فتح جبهة خارجية – مباشرة أو غير مباشرة – إستراتيجياً إذ يضعها في مواجهة مع توازنات إقليمية أوسع، خاصة في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي، حيث تتقاطع مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة. 

وتتمثل معطياته، في أن السودان أعاد تعريف ما جرى باعتباره "عملاً عدائياً منظَّماً" يرقى إلى مستوى إعلان الحرب غير المباشرة، خاصة مع الحديث عن انطلاق المسيَّرات من قاعدة "بحر دار" داخل الأراضي الإثيوبية [6] . ويتمثل التحول الأبرز في هذه الأزمة في انتقال الخطاب الرسمي السوداني من مستوى الاتهام السياسي إلى مستوى ما وُصف بـ "الإثبات العملياتي"، إِثْر تقديم أدلة تقنية تشمل مسارات الطيران، والبيانات الفنية، وسلاسل التوريد المرتبطة بالطائرات المسيَّرة. وهو ما يحمل دلالة إستراتيجية عميقة؛ إذ إن إعلان دولة ما امتلاكها أدلة مادية على تورُّط طرف خارجي، يعني عملياً أنها تجاوزت مرحلة الاحتواء، ودخلت في طور جديد يمكن تسميته بـ "مرحلة ما قبل الردّ". 

ويظلّ هذا السيناريو قائماً تحت ضغط ميداني محرج أو دعم حلفاء إقليميين في حال استمرار هجمات المسيَّرات على الخرطوم أو خسارة الجيش السوداني لمزيد من الأراضي الإستراتيجية في إقليم النيل الأزرق قد يغير الحسابات الميدانية جذرياً ويجعل الصدام المباشر قائماً للخروج من مأزق الحصار الداخلي الخانق. وتكمن خطورته في الانزلاق نحو المواجهة الإقليمية المباشرة، فالصراع قد يتحوّل إلى حرب إقليمية كبرى تنجذب إليها قوى عربية وإفريقية متنافسة، وما يجعل هذا السيناريو أكثر احتمالاً اليوم هو تراكُم الأحداث واتساع دائرة الاتهامات المتبادلة بين البلدين، لتفقد كل منهما هامش المناورة الداخلية. 

السيناريو الثاني، التجميد الدبلوماسي مع استمرار الحرب بالوكالة:   (مرجحاً) يقوم على الانتقال إلى مرحلة "إدارة الصراع وَفْق حسابات إستراتيجية"، ويتجلى ذلك في خفض التمثيل الدبلوماسي مع تصاعُد الدعم المتبادل للمعارضات المسلحة وتحوُّل شرق السودان إلى ساحة استنزاف غير معلَنة، والتلويح بإجراءات إضافية قد تصل إلى قطع العلاقات، والإعلان عن التوجه إلى مجلس الأمن والاتحاد الإفريقي. وهو ما يشير إلى أن السودان يسعى لإعادة بناء معادلة الردع، ليس فقط عسكرياً بل دبلوماسياً وقانونياً، فطرح القضية أمام المجتمع الدولي يهدف إلى كسب الشرعية، ووضع الأطراف المتهمة تحت ضغط سياسي. 

وبالفعل، بطلب رسمي من الحكومة السودانية عقد مجلس جامعة الدول العربية اجتماعاً طارئاً في 10 أيار/ مايو 2026 على مستوى المندوبين الدائمين، لبحث التطورات الميدانية والسياسية التي تشهدها البلاد. ويأتي الاجتماع بالتزامن مع تحرُّكات دبلوماسية تقودها الخرطوم لحشد موقف عربي داعم في مواجهة التحدِّيَات الأمنية والسياسية المتفاقمة [7] . فيما يقف الاتحاد الإفريقي والإيجاد أمام اختبار وُجوديّ حقيقي، دون أن يملكا أدوات ضغط فعلية على أطراف تتشابك مصالحها داخل المنظمتين ذاتيهما. 

ومن جانب آخر، تبدأ إثيوبيا "اختباراً صعباً" لإدارة  قضايا معقدة وعاجلة في ظلّ رئاستها لمجلس السلم والأمن الإفريقي في شهر نيسان/ إبريل 2026، في وقت لا تزال الجهود الإقليمية المنسقة ضرورية لمواجهة التحديات الأمنية الراهنة وتعزيز السلام المستدام في جميع أنحاء إفريقيا. فقد ينظر إلى أي دور محتمل لإثيوبيا في تطوُّرات الوضع الميداني في السودان باعتباره جزءاً من محاولة إعادة تشكيل موازين القوى في مناطق النيل الأزرق ودارفور ذات الثقل الاقتصادي والجغرافي، بما يخدم حسابات تتعلق بالأمن الحدودي أو النفوذ الإقليمي. غير أن ذلك لا يُنهي حالة التوتر، التي يُرجَّح أن تستمر عَبْر أدوات أقلّ كلفة، تُبقي الصراع قائماً دون الإعلان عن حرب مفتوحة. 

السيناريو الثالث: التسوية بوساطة إقليمية ودولية. (الأقل ترجيحاً ). في ضوء الانشغالات الأمريكية والغربية بتفاعلات الحرب وتداعياتها على إيران فقد تلاشى الزخم الدبلوماسي للرباعية الدولية المَعْنيّة بالسودان في مطلع 2026، بما يعني أن نهاية الحرب تبدو أبعد من أيّ وقت مضى، ما يجعل هذا السيناريو مرهوناً بتحوُّلات جذرية في إرادة الفاعلين الدوليين والإقليميين قبل حسابات القُوَى السودانية والإثيوبية. 

  خاتمة 

يعكس التصعيد "السوداني الإثيوبي" محاولة لإعادة توجيه بُوصلة الأزمة السودانية من كونها  صراعا ً  داخلي اً بما يحمله من تعقيد المشهد الميداني وفرص التوصل إلى تسوية سياسية شاملة في السودان، إلى ساحة توتُّر تُنذر بمخاطر جسيمة على أمن دول منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي. لذا، فإن المخرج الآمِن يكمن في العودة إلى الدبلوماسية وتفعيل الوساطات الإقليمية الفاعلة للاتفاق على آليات مشتركة لمراقبة الحدود ومنع استخدام الأراضي في أيّ عمليات عدائية، مع إعادة تنشيط اللجان السياسية والعسكرية المشتركة، والاعتراف بأن سياسة تصدير الأزمات الداخلية عَبْر الحدود لن تجلب سوى خسارة مشتركة لا رابح فيها من أيّ طرف. 

  

 

 


 

[1] "الخارجية السودانية.. استعدنا سفيرنا في إثيوبيا لهذه الخُطوة"، سودان إندبندنت، 5 أيار/ مايو 2026. 

https://2u.pw/MtQCqh 

[2] "السودان يتهم إثيوبيا والإمارات بشنّ هجمات بطائرات مسيرة على الخرطوم وأديس أبابا ترفض الاتهامات"، فرانس 24، 5 أيار/ مايو 2026. 

https://2u.pw/44Hn49 

[3] نجلاء مرعي، "مصر وإريتريا.. ومواجهة الطموح الإثيوبي للحصول على "منفذ" على البحر الأحمر"، تقرير تحليلي، مركز أبعاد للدراسات الإستراتيجية، 23 كانون الأول/ ديسمبر 2025. 

https://2u.pw/OguwH 

[4] "مصر تدين بأشدّ العبارات استهداف مطار الخرطوم"، الهيئة العامة للاستعلامات، 5 أيار/ مايو 2026. 

https://2u.pw/rhVUph 

[5] "وزارة الخارجية: المملكة تدين وتستنكر بشدة استهداف موقعٍ في ساحة مطار الخرطوم"، وكالة الأنباء السعودية، 5 أيار/ مايو 2026. 

https://www.spa.gov.sa/N2578446 

[6] "الناطق الرسمي للقوات المسلحة يكشف تورُّط الإمارات وإثيوبيا في قصف مطار الخرطوم"، وكالة السودان للأنباء، 4 أيار/ مايو 2026. 

https://www.suna-sd.net/posts/alnatk-alrsmy-llkoat-almslh-ykshf-aan-adl-mothk-tthbt-tort-alamarat-oathyobya-fy-ksf-mtar-alkhrtom 

[7]   " السودان في قلب التحركات العربية.. اجتماع طارئ وتحذيرات من اتساع الأزمة"، القاهرة الإخبارية، 10 أيار/ مايو 2026. 

https://2u.pw/QH7BLY