تحوُّلات جذرية في الاستراتيجية الأمنية اليابانية

تحوُّلات جذرية في الاستراتيجية الأمنية اليابانية

في السادس عشر من ديسمبر/ كانون الأول 2022 أعلنت اليابان عن استراتيجيتها الأمنية الجديدة، للسنوات الخمس (2022 ـ 2027)، وتضمنت عدداً من المنطلقات والركائز الأساسية التي شهدت تحوُّلات جذرية عما كان سائداً في الاستراتيجيات الأمنية اليابانية منذ 1945، ومن بين هذه التحولات:

أولها رصد ميزانية تقديرية 300 مليار يورو للإنفاق العسكري خلال 5 سنوات، بزيادة 56% عن استراتيجية (2017-2022) بهدف امتلاك قدرات عالية على شنّ هجوم مضادّ بأسلحة قادرة على استهداف مواقع إطلاق صواريخ العدو، وفي هذا السياق يأتي التحرك الياباني لشراء 500 صاروخ توماهوك كروز وصواريخ "إس إم-6" طويلة المدى الأمريكية.

وثانيها نشر أكثر من ألف صاروخ كروز طويل المدى، وتحسين صواريخها المضادة للسفن من النوع 12 والمُركَّبة على شاحنات، والتي طورتها مجموعة ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة اليابانية، وكذلك تطوير صواريخ "فرط صوتية" تُحلق بسرعة أكبر 5 مرات من سرعة الصوت (ماخ 5)، وبناء نحو 130 مستودعاً جديداً للذخيرة على أراضيها بحلول عام 2035 لاستيعاب صواريخ "الهجوم المضادّ" وغيرها من الأسلحة.

وثالثها تعزيز الوجود العسكري في الجزر الواقعة في أقصى الجنوب، الأقرب إلى تايوان والبر الرئيسي للصين، من خلال مضاعفة وحدات قوات الدفاع الذاتي المجهزة بقدرات اعتراض الصواريخ الباليستية، وزيادة عدد جنودها المتمركزين في مقاطعة أوكيناوا في الطرف الجنوبي الغربي من الأرخبيل، من ألفين إلى ثلاثة آلاف جندي.

ورابعها وضع قوات الدفاع الذاتي البرية والبحرية والجوية اليابانية تحت قيادة موحدة من أجل الاستجابة بسرعة أكبر لحالات الطوارئ، وتسهيل استخدام الجيش للموانئ والمطارات المدنية في البلاد حتى في أوقات السلم، وإنشاء وحدات متخصصة جديدة من قوات الدفاع الذاتي، تكون مسؤولة عن الطائرات المسيَّرة والحرب الإلكترونية، وتحسين القدرات على جمع المعلومات والرد على الأسلحة عالية التقنية مثل القنابل المحلقة والأسلحة التي تفوق سرعتها سرعة الصوت، وتطوير طائرة مقاتلة من الجيل التالي بحلول عام 2035 مع المملكة المتحدة وإيطاليا، وكذلك مضاعفة الميزانية الدفاعية السنوية التي تبلغ حالياً نحو 1% من إجمالي ناتجها المحلي، لتصبح 2% بحلول 2027، بما يتوافق مع الالتزامات المماثلة التي تبنَّتها الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي.

وخامسها النص رسمياً على قائمة بأهمّ الخصوم الذين يشكلون تهديداً استراتيجياً مستقبلياً لليابان، وشملت القائمة كلاً من الصين وكوريا الشمالية وروسيا، حيث نصّت أن الموقع العسكري للصين يزداد قوةً ويُشكّل مصدر قَلَق كبير لليابان واستقرارها، وأن الأعمال العسكرية الكورية تشكل تهديداً خطيراً ووشيكاً لليابان، كما يتزايد الشعور بالخطر من روسيا؛ لأن استعدادها لاستخدام القوة لتحقيق أهدافها الأمنية الخاصة واضح ونشاطاتها العسكرية في منطقة آسيا والمحيط الهادي وتعاونها الاستراتيجي مع الصين، كلها أمور تُشكّل مصدر قَلَق كبير للأمن الياباني.

وفي المقابل تتخوّف الصين من تحوُّل اليابان من النهج الدفاعي الذي ظلت ملتزمة به منذ 1945 إلى تبنّي سياسات هجومية، والدخول في تحالُفات عسكرية تدفع باتجاه عسكرة جنوب شرق آسيا، وخاصة في ظل العلاقات الاستراتيجية بين اليابان والولايات المتحدة الأمريكية، وأن استراتيجية الأمن القومي الياباني 2022 بمثابة امتداد "جيو – استراتيجي" لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2022.

وفي إطار هذه التحوُّلات يمكن القول: إن العالم يسير بخُطًى متسارعة نحو حرب عالمية شاملة، في ظل سياسات العسكرة والأَمْنَنة التي أصبحت تهيمن على توجُّهات معظم الأطراف الإقليمية والدولية في النظام الدولي الراهن.