لبنان وإسرائيل توقّعان اتفاقية لترسيم الحدود البحرية بينهما

لبنان وإسرائيل توقّعان اتفاقية لترسيم الحدود البحرية بينهما

 

وقَّع لبنان وإسرائيل في 27 تشرين الأول/ أكتوبر، اتفاقاً تاريخياً لترسيم الحدود البحرية بينهما. وجاء التوقيع الذي جرى من قِبل كل دولة على حِدَة، بعد شهور من الجولات المكّوكية التي قام المبعوث الأمريكي إلى البلدين آموس هوكستين في مفاوضات غير مباشرة.

ويُعَدّ التوقيع على الاتفاقية بشكل رسمي قبل نهاية شهر تشرين الأول/ أكتوبر، إنجازاً مهماً للوسيط الأمريكي ولطرفَي الاتفاقية، حيث تنتهي ولاية الرئيس اللبناني ميشال عون، المخوّل بتوقيع الاتفاقية من الطرف اللبناني، يوم 31 تشرين الأول/ أكتوبر، علماً أنه يُتوقع أن يدخل لبنان بعدها في فراغ رئاسي يمتد لفترة قد تطول، مع غياب التوافُق على مرشح رئاسي يمكنه أن ينال تصويت العدد الكافي من النواب.

على الجانب الإسرائيلي، تجري يوم 1 تشرين الثاني/ نوفمبر انتخابات الكنيست، وفي حالة فوز اليمين في الانتخابات، فإنه كان ينوي عرقلة الاتفاق وإعادة التفاوض على بنوده.

وجاء الاتفاق لينهي نزاعاً طويلاً بين البلدين على منطقة تصل مساحتها إلى 860 كم2، ويُفترض أنها غنية بالنفط والغاز. واعتمد الاتفاق النهائي خطّ 23، بما يمنح إسرائيل حقل كاريش للغاز بالكامل، ويعطي لبنان بالمقابل حقل قانا.

الاتفاق جرى ضمنياً بين إسرائيل وحزب الله الذي يُسيطر على مؤسسة القرار في لبنان، حيث لم يكن من الممكن الوصول إلى هذه اللحظة دون موافقة الحزب الكاملة عليه، علماً أن الحزب كان يعلن طوال مدة المفاوضات غير المباشرة أنه لا يتدخل في ذلك، وأنه يقف خلف ما تقرّره الدولة اللبنانية، مع تأكيده أنه جاهز للتحرك عسكرياً في حال احتاج الأمر إلى ذلك، وهو ما كانت تعلنه إسرائيل أيضاً من خلال تهديدها بالرد على أي استهداف لمنشآت التنقيب.

وتعني الموافقة على الترسيم البحري الجديد اعترافاً قانونياً من الحزب ومحوره لأول مرة بحدود إسرائيل، حيث كان رَفْض الاعتراف بهذه الحدود سابقاً واحدة من القِيَم المؤسِّسة للمحور. في موازاة ذلك اتهم خصوم حزب الله من الناشطين السياسيين في لبنان كلاً من الحزب وحليفه عون، بتقديم تنازُلات لإسرائيل من الحصة اللبنانية في الحقول البحرية.

نظرياً يعود ترسيم الحدود بفوائد اقتصادية متقاربة للطرفين، حيث يمكنهما استغلال حقول الغاز الموجودة في المنطقة مباشرة. إلا أن لبنان إضافة إلى أنه يحتاج وقتاً -ربما سنوات- لإنهاء عملية التنقيب والبدء باستخراج محتمل للغاز، فإنه سيكون أقلّ قدرة على الاستفادة من هذه الفرصة، نظراً لضعف بِنيته الاقتصادية واللوجستية في مجال الطاقة، ونظراً لهشاشته السياسية، التي تعوق إنجاز المشاريع الكبرى، والتي تواجه دائماً عوائق المحاصصة الطائفية والحزبية. كما أن لبنان يُعاني أصلاً من غياب موارد الطاقة، بما يجعل قدرته على تصدير الغاز محدودة حتى بعد استخراجه، وإن كان من المفترض أن يُساعده هذا الغاز على حل أزمة الكهرباء المزمنة فيه.

وبالمقابل فإنّ إسرائيل جاهزة من كافة النواحي لاستخراج الغاز فوراً، وقد تم الإعلان يوم 27 أكتوبر -قُبيل توقيع الاتفاق- عن بَدْء عمليات استخراج الغاز.

وإضافة إلى الآثار المباشرة التي يحملها الاتفاق على البلدين، فإنّ أوروبا تُعَدّ المستفيد الأساسي من الوصول إلى الاتفاق، حيث يمكن للغاز المستخرج من هذه المنطقة أن يسدّ جزءاً أساسياً من الاحتياجات الأوروبية، في الوقت الذي تسعى فيه دول القارة إلى البحث عن مصادر جديدة تساعدها في التخلص من اعتمادها على الغاز الروسي.

كما أن الولايات المتحدة تُعَدّ من المستفيدين الرئيسيين من الاتفاق بين لبنان وإسرائيل، أولاً لأنه يُسجّل كنجاح للإدارة الأمريكية برئاسة جو بايدن، حيث استطاعت تحقيقه من خلال رعايتها للمفاوضات غير المباشرة، وثانياً لأن واشنطن تعمل بشكل حثيث منذ أشهر على إجبار ومساعدة أوروبا للتخلي عن اعتمادها السابق على الطاقة الروسية. ويمثل الغاز الإسرائيلي خياراً مثالياً بالنسبة للولايات المتحدة، باعتبار أن الشراكة الجديدة بين أوروبا وإسرائيل ستعود بالفائدة على حلفاء في طرفَي العلاقة.

ومن المبكر الحديث عما إذا كان اتفاق الترسيم البحري سيقود إلى اتفاقات سياسية أو اقتصادية أخرى بين إسرائيل ولبنان، إلا أنه بكل تأكيد يؤسس الأرضية اللازمة للتوصل إلى تفاهُمات جديدة، فالتفاوض مع إسرائيل لم يَعُدْ أمراً مرفوضاً في لبنان بعد أن حظي بدعم ومباركة "تيار المقاومة"، على الرغم من محاولة حزب الله التأكيد على أن هذا الاتفاق لا يعني إحداث خرق في العلاقات بين لبنان وإسرائيل، وقد شبَّهه قريبون من الحزب بــ"تفاهُم نيسان" عام 1996، الذي أعقب الحرب التي عُرفت بــ"عناقيد الغضب".

في المقابل، فإنّ المزاج السياسي في إسرائيل أصبح يميل إلى تقبُّل التفاهمات الجزئية التي تُساعد في تطبيع العلاقات مع دول المنطقة، ومن بينها لبنان، باعتبارها خطوات في الاتجاه الصحيح لتحقيق المصالح الإسرائيلية، على المستويين الاقتصادي والأمني على الأقل.