دلالات ومؤشرات الصفقة الإيرانية الأمريكية الأخيرة

دلالات ومؤشرات الصفقة الإيرانية الأمريكية الأخيرة


توصّلت الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق يتمُّ بموجبه إطلاق سراح خمسة أمريكيين محتجزين في إيران وعدد غير معروف من الإيرانيين المسجونين في الولايات المتحدة، مع تحرير أصول مالية إيرانية بمليارات الدولارات (التقديرات تشير إلى 6 أو 7 مليارات دولار)، سيتم تحويل تلك الأموال من بنوك في كوريا الجنوبية إلى قطر، وقد تمت الصفقة بوساطة قطرية، وتؤكد الولايات المتحدة أنه بمجرد وصول الأموال إلى قطر، سيتمُّ الاحتفاظ بالأموال في حسابات مُقيّدة، ولن يتم استخدامها إلا في شراء الحاجات والسلع الإنسانية، مثل الأدوية والغذاء، والتي يتم السماح بها أصلاً ضِمن العقوبات المفروضة على إيران من قِبل الولايات المتحدة بعد انسحابها من الاتفاق النووي في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق ترامب.

وتتزايد أهمية الصفقة كونها تأتي في ظل توتُّر وحشودات أمريكية في الخليج وسورية، وتقارير أمريكية تحدثت عن تنسيق روسي إيراني لاستهداف الوجود العسكري الأمريكي في سورية، وتثير الصفقة بالتالي التساؤل حول احتمال كون الصفقة مقدمة للعودة للاتفاق النووي الإيراني مجدداً، ولمحاولة قراءة دلالات الصفقة، يمكن أن نشير إلى عدة نقاط ذات أهمية في محاولتنا لتحليلها:

تشير الصفقة -بلا شك- إلى حالة من تقليل التوتر وإدارته والسيطرة عليه بشكل عقلاني لمنع أي انزلاق لمواجهة كبرى بين الطرفين، ممّا يُرجّح أن التوترات والحشودات كانت مرتبطة بالمفاوضات حول الصفقة التي استمرت لمدة أشهر، وكانت جزءاً من لعبة عضّ الأصابع وتسخين طاولة التفاوض بين الطرفين لكسب النقاط وتحسين شروط الصفقة، ولا تريد إيران بالتأكيد استفزاز الولايات المتحدة بشكل كبير لدرجة إحراجها ودفعها لرد عسكري قوي، ولا تريد الإدارة الأمريكية الديمقراطية بدورها التورط في أي عملية عسكرية يمكن أن تُشكِّل إحراجاً انتخابياً للإدارة الحالية القادمة على استحقاق انتخابي.

ولا شك أن الإدارة الديمقراطية الحالية تستذكر ما حلّ بإدارة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر في عام 1980 عندما قام بتنفيذ عملية عسكرية سُميت بعملية مخلب العقاب (Operation Eagle Claw) لتحرير الرهائن الأمريكيين من إيران، والتي باءت بالفشل، وأدت إلى تدمير طائرتين ومقتل ثمانية جنود أمريكيين، وهو ما كان أحد العوامل المهمة لخسارة كارتر الرئيس الديمقراطي للانتخابات الأمريكية لصالح خصمه الجمهوري ريغان.

في المقابل، يغلبُ على الظن أن إيران أيضاً لا تريد للإدارة الأمريكية الديمقراطية الحالية أن تتغير لصالح الجمهوريين الذين عادة ما يكونون أكثر تشدُّداً معهم، ولذلك لا يريدون القيام بصدامات واسعة تحرج الإدارة الأمريكية أو تجبرها على القيام بردّ فعل قوي ضدّ إيران (وهنا تتفارق المصالح الروسية الإيرانية، حيث يرغب الروس في عودة الجمهوريين، خاصة ترامب).

يُعزّز من الفرضيات السابقة ما هو معلوم من أنّ نشاط اللوبي الموالي لإيران عادة ما يكون في ذروة قوته في عهد الإدارات الديمقراطية، والمثال الواضح على ذلك، إدارة أوباما التي وقّعت الاتفاق النووي، حيث زار المتنفذ في اللوبي الإيراني تريتا بارسي البيت الأبيض في عهد أوباما ثلاثين مرة بهدف القيام بجهود دبلوماسية لتقريب وجهات النظر التي أثمرت بعد ذلك توقيع الاتفاق النووي، ومما يجب ملاحظته هنا أن الإدارة الحالية تُعتبر امتداداً بشكل ما لإدارة أوباما، حيث شغل الرئيس بايدن منصب نائب الرئيس في عهد أوباما.

تتعلق حالة التقارُب بين الولايات المتحدة مع إيران بعدد من العوامل المتعلقة بالسياسات الداخلية ووضع السياسة الدولية بين الطرفين.

من ناحية السياسات الداخلية: وجود الديمقراطيين في البيت الأبيض، ووجود "الإصلاحيين" في الحكم في إيران هو الحالة المُثلى للتقارُب، وهو ما ظهر بشكل جليّ في عهد الرئيس الإيراني "الإصلاحي" روحاني الذي تم في عهده توقيع الاتفاق النووي مع إدارة أوباما.

من ناحية السياسة الدولية: لُوحظ اختلاف في سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران بحسب طبيعة النسق الدولي وكونه أحادي القطبية، أو ثنائي أو متعدد القطبية، حيث تميل الولايات المتحدة إلى محاولة التقارب مع إيران أو تحييدها عن دعم خصومها في حالة النظام الدولي ثنائي القطبية، وهو ما ظهر جلياً في حالة دعمها لثورة الخميني وعقد صفقة معه لتجنب وقوع إيران في براثن الشيوعية، على العكس من ذلك، مالت الولايات المتحدة نحو زيادة الضغط على إيران عندما تفردت الولايات المتحدة بقيادة العالم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، خاصة في عهد الرئيس الجمهوري جورج بوش الابن الذي اعتبرها جزءاً من محور الشر، وفي عالم اليوم نشهد تحولات -وإنْ كانت بطيئة- نحو التعددية القطبية، وهو ما يدفع بعض منظّري السياسة الأمريكيين نحو محاولة تحييد إيران وإبعادها عن روسيا والصين، ويُجادل هؤلاء بأنّ سياسة ترامب بتطبيق الضغط الأقصى على إيران لم تُجدِ نفعاً في ردع إيران عن تخصيب اليورانيوم، بل دفعتها لزيادة تخصيب اليورانيوم، ولمزيد من التنسيق مع الروس والصينيين، وهو ما يظهر أيضاً فيما تحدثت الأنباء عنه فيما يتعلق ببنود الصفقة الأخيرة، حيث تمت مناقشة تخفيف أو وقف الدعم الإيراني لروسيا في حربها في أوكرانيا.

من ناحية السياسة الدولية أيضاً، يُلاحظ توتُّر العلاقات الأمريكية مع حكومة نتنياهو الإسرائيلية الحالية، وهو ما يشير إلى ضعف تأثيره على صانع القرار الأمريكي، ويميل نتنياهو إلى التشدد مع إيران ومعارضة الاتفاق النووي منذ إبرامه في عهد أوباما، لكن أوباما مضى به رغم المعارضة الإسرائيلية، وكذلك تختلف الإدارة الأمريكية الحالية مع نتنياهو في طريقة معالجة الملف النووي الإيراني.

من المؤشرات على تخفيف التوتر في إطار الصفقة الأخيرة، ما ذكرته مصادر أمنية أمريكية من أن إيران خففت كمية صغيرة من اليورانيوم المخصَّب بنسبة 60٪ في الأسابيع الأخيرة وأبطأت معدل تكديس المواد الجديدة.

يبدو بالتالي أن الصفقة الأخيرة مرتبطة أيضاً بخطوات لتخفيف تصعيد إيران في توجُّهها نحو زيادة تخصيب اليورانيوم، كبديل مؤقت عن إعادة إحياء الاتفاق النووي، وذلك لصعوبة التوصل إلى إعادة إحياء الاتفاق النووي كاتفاق شامل، خاصة مع شروط إيران بالحصول على ضمانات من الكونغرس بعدم انسحاب الإدارات القادمة من الاتفاق، في الوقت ذاته الذي يبدو فيه أن إدارة بايدن غير مستعدة لاستنزاف رأسمالها السياسي قبل الانتخابات في مواجهة مع الكونغرس من خلال رفعها العقوبات عن إيران وسط معارضة كبيرة من الجمهوريين، وعدم مرونة إيران في تقديم التنازلات التي يمكن أن تقنع الكونغرس.

استناداً إلى المعطيات السابقة يبدو أن الصفقة الأخيرة بديل مؤقت عن محاولة إعادة إحياء الاتفاق النووي الأصلي، كما تهدف لفتح آفاق دبلوماسية لتجنُّب التصعيد العنيف بين الطرفين، حيث يسعى الرئيس بايدن إلى تفادي تصاعُد التوتر في منطقة الشرق الأوسط عموماً، خصوصاً مع التحديات المتعددة التي يواجهها، مثل التوتر المتصاعد مع روسيا بسبب الأوضاع في أوكرانيا، والتوتر المتنامي مع الصين بسبب القضايا المتعلقة بتايوان وغيرها، خاصة أن تحسين العلاقات بين إيران ودول مثل السعودية والإمارات سيعزز من دور إيران في المنطقة ويجعلها أقوى في مواجهة التحديات.

تبقى هذه الصفقة جزءاً من جهود الإدارة الأمريكية الحالية للتحكم في المشهد والتحضير للانتخابات القادمة، وربما تمهد مثل هذه الصفقة لصفقات مشابهة لاحقة، لكن من المُستبعَد الوصول إلى إعادة إحياء الاتفاق النووي المتعثر قبل الانتخابات الأمريكية القادمة، وحتى بعد نجاح الإدارة الحالية في الانتخابات، ستكون عوائق العودة إليه كثيرة ومتشعبة.