اتفاق متأرجح بين إيران والولايات المتحدة
2026-06-25464 مشاهدة
التفاهمات الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة التي تم الإعلان عنها في أواسط يونيو/ حزيران 2026 وهي لا تزال بإطار المفاوضات لا يمكن أن تُشكّل حتى الآن معاهدة سلام نهائية أو تسوية شاملة للخلافات المزمنة بقدر ما يمكن اعتبارها إطاراً تمهيدياً لخفض التصعيد ووقف العمليات القتالية النشطة.
في حين تتركز التوافقات الراهنة على حزمة من المضامين المترابطة والتي تهدف إلى معالجة التداعيات الفورية للأزمة مع تأجيل البتّ في الملفات الأكثر تعقيداً، ويمكن تخليصها وَفْق الآتي:
- تتمثل أولى هذه الركائز في الإعلان عن وقف شامل وفوري لإطلاق النار وإنهاء كافة العمليات العسكرية على مختلف الجبهات المشتعلة مع إشارة واضحة ومباشرة للساحة اللبنانية كجزء أساسي من منظومة التهدئة المقترحة.
- التزامات متبادلة من الطرفين باحترام السيادة الوطنية والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية بما في ذلك المتعلقة بدول الإقليم.
- البُعد الملاحي الإستراتيجي، حيث وافقت الإدارة الأمريكية على الرفع التدريجي للحصار البحري الذي فرضته سابقاً على أن تكتمل هذه العملية في غضون ثلاثين يوماً، وفي المقابل تعهدت طهران بتسهيل العبور الآمن والمنفذ الخالي من الرسوم والقيود للسفن التجارية الناقلة للطاقة والبضائع عَبْر مضيق هرمز الحيوي.
- على الصعيد المالي، أبدت واشنطن مرونة بإمكانية تقديم حوافز اقتصادية فورية وملموسة تشتمل على إصدار إعفاءات عاجلة لصادرات النفط الإيرانية والخدمات اللوجستية والمالية المرتبطة بها، ويترافق ذلك مع تطلُّع بعيد المدى لطرح خطة شاملة لإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية الإقليمية.
- فيما يخصّ الملفّ النووي أكدت إيران التزامها المبدئي بعدم السعي لتطوير أو حيازة أسلحة نووية مع الموافقة على مناقشة وضعية مخزونها الحالي من اليورانيوم عالي التخصيب والقبول بمبدأ تخفيف هذا المخزون في المنشآت المحلية تحت الإشراف المباشر للوكالة الدولية للطاقة الذرية كحدّ أدنى للمرحلة الحالية.
بينما تمّ ترحيل النقاشات التفصيلية والشائكة حول سقف نسب التخصيب المسموح بها والاحتياجات النووية الإيرانية بعيدة المدى إلى طاولة المفاوضات التي انطلقت جولاتها التمهيدية في سويسرا في 21 يونيو/ حزيران 2026.
من الممكن أن تُسهم البنود السابقة خلال المدى القصير بتأمين خطوط الملاحة البحرية الدولية وتقليص حِدّة الاضطرابات التي أصابت أسواق الطاقة العالمية جراء المواجهات الأخيرة. كما تمنح صانع القرار في واشنطن فرصة لمعالجة الطموح النووي الإيراني عَبْر القنوات الدبلوماسية وتجنُّب الانزلاق نحو مواجهة عسكرية مفتوحة غير مضمونة النتائج.
وترى الإدارة الأمريكية أن هذا المسار نتاج لسياسة الردع والقوة التي تحول دون امتلاك طهران للسلاح النووي مع الاحتفاظ بالقدرة الكاملة على إعادة تفعيل التدابير العقابية والعسكرية في حال رصد أيّ إخلال بالبنود.
من جهتها ترى إيران في هذا التفاهم مخرجاً سياسياً واقتصادياً يوفر لها متنفساً مالياً فورياً تحتاجه لإدارة الجبهة الداخلية وتخفيف حِدّة الإنهاك الاقتصادي الناتج عن العقوبات والصراع العسكري، كما تملك طهران القدرة على تسويق هذا الاتفاق محلياً وإقليمياً كدليل على نجاح إستراتيجية المقاومة في إجبار القوى الدولية على الاعتراف بسيادتها ومصالحها دون تقديم تنازُلات جوهرية.
من جهة ثانية، وحول فرص استدامة التوافقات فهناك حالة عدم يقين وتحفُّظ لكونها تمثل هدنة مؤقتة محكومة بسقف زمني ضيق لا يتجاوز ستين يوماً، وهي فترة اختبار حَرِج للنوايا ومدى قدرة الطرفين على الانتقال من مرحلة التهدئة العسكرية إلى مرحلة بناء الثقة.
ورغم وجود مؤشرات تدعو للتفاؤل الحَذِر مثل استمرار القنوات الدبلوماسية وانعقاد الاجتماعات الفنية وتأسيس لجان تنسيق مشتركة في سويسرا لمنع الاحتكاكات في مضيق هرمز إلا أن المعضلة الجوهرية تكمن في طبيعة تصميم الاتفاق نفسه؛ فالصيغة الراهنة قامت على إرجاء القضايا الإستراتيجية الكبرى والملفات الأكثر تعقيداً وأبرزها، آليات التحقق النووي الصارمة، ومصير البرامج الصاروخية البالستية، وشبكة التحالفات الإقليمية، ومستقبل الفصائل المسلحة الحليفة لطهران.
وهذا التفاوت قد يؤدي إلى تآكُل أوراق الضغط الأمريكية مستقبلاً إذا ما شعرت إيران بأنها حصلت على مكاسبها الاقتصادية من خلال الاتفاق دون الحاجة لتقديم تنازُلات سياسية أو أمنية جوهرية في المرحلة اللاحقة.
وبناءً على ما سبق، تتعدد العقبات التي تهدد بانهيار التوافقات، وتأتي في مقدمتها الهُوّة الواسعة في الملفّ النووي حيث تُصِرّ واشنطن على فرض نُظُم تفتيش بالغة الصرامة وطويلة الأمد لضمان سلمية البرنامج الإيراني في حين تتمسك طهران بحقها السيادي في تطوير التكنولوجيا النووية للأغراض المدنية وترفض التدخل الخارجي.
وتتعمق العقبات المهددة للتفاهم أيضاً بوجود إرث ثقيل من انعدام الثقة المتبادلة تراكم عَبْر عقود من الصدامات المباشرة والحروب بالوكالة وفشل الاتفاقيات السابقة لا سيما بعد الانهيار التاريخي لخطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015. مما يجعل كل طرف ينظر بريبة مستمرة لتصرفات الآخر ويفسر أيّ خُطوة إجرائية باعتبارها محاولة لتحقيق مكاسب إستراتيجية على حسابه.
ويشكل العامل الإقليمي عراقيل أخرى وتحديداً الموقف الإسرائيلي الذي يُبدي توجُّساً عميقاً ورفضاً معلناً لأيّ تفاهمات لا تفضي إلى تفكيك البنية التحتية العسكرية والنووية لإيران، مما يعني أن استمرار العمليات الأمنية أو حدوث أيّ تصعيد عسكري غير منضبط في الساحة اللبنانية أو الساحات الإقليمية الأخرى عَبْر حلفاء إيران يمكن أن يعصف بالاتفاق برُمَّته ويعيد الأوضاع إلى نقطة الصفر.
علاوة على ذلك تفرض التوازنات السياسية الداخلية في كِلا البلدين قيوداً صارمة على هوامش الحركة المتاحة للمفاوضين؛ ففي واشنطن تواجه الإدارة الحالية ضغوطاً تشريعية وسياسية حادّة من الكونغرس ومن قوى سياسية متعددة ترى في رفع العقوبات وتسهيل تدفُّق الأموال مكافأة مجانية للنظام الإيراني.
أيضاً يواجه التيار البراغماتي في إيران ضغوطاً مماثلة من التيارات المحافظة وقادة الحرس الثوري الذين ينظرون بريبة لأيّ تنازُلات تتعلق بملفات التفتيش الدولي، أو تعديل سلوك التحالفات الإقليمية، ويعتبرونها مساساً بالسيادة الوطنية.
بالنتيجة يمكن اعتبار التفاهمات الهشّة اختراقاً في مسار الحرب الإيرانية؛ لأنها نجحت حتى الآن باحتواء الهجمات العسكرية، لكن هذا لا يعني أن الأحداث المستقبلية تتجه نحو الاستقرار؛ لأن كل طرف لا يزال يحتفظ بعدد كبير من أوراق الضغط وفي مرحلة المفاوضات من الممكن أن تظهر هذا الأوراق لرفع سقف المطالب لدى كل طرف، وحينها قد تخرج التفاهمات عن مسارها مجدَّداً.
بالجهة المقابلة من الوارد أن يتحول الاتفاق إلى هدنة طويلة المدى يتم فيها التوافق على قاعدة صلبة، وهي عدم الانخراط بالحرب مجدَّداً، مع بقاء الخلافات قائمة على بقية الملفات واستمرار المفاوضات المكوكية حولها.




