الأزمة السياسية في العراق تدخل مرحلة جديدة من التصعيد

الأزمة السياسية في العراق تدخل مرحلة جديدة من التصعيد

 

بدأ التيار الصدري في العراق منذ نهاية تموز/ يوليو تصعيداً شعبياً واسع النطاق، وتوجَّه هذا التصعيد بشكل رئيسيّ نحو البرلمان الذي حصل فيه التيار على أعلى عدد من المقاعد، قبل أن يُقدِّم نواب التيار استقالاتهم بشكل جماعي في حزيران/ يونيو الماضي.

 

التصعيد الصدري جاء بعد أيام من قيام الإطار التنسيقيّ، وهو تجمُّع لحلفاء إيران من القوى السياسية والعسكرية الشيعية، بترشيح محمد شايع السوداني لمنصب رئيس الوزراء، وهو الأمر الذي فهمته كل الأطراف كرسالة مفادها أن الإطار لم يَعُدْ راغباً في التوصل إلى تسوية مع التيار الصدري، وأن الإطار ماضٍ في فرض مرشحه، مستفيداً من التركيبة الجديدة للبرلمان بعد انسحاب النواب الصدريين.

 

احتجاجات الصدر في الشارع تهدف بصورة مباشرة إلى تعطيل مَسار تعيين رئيس وزراء جديد، وهو مَسار محكوم باختيار رئيس للجمهورية قبل ذلك، وكِلاهما سيكون من حلفاء الإطار، وهو ما لن يسمح به الصدر؛ لأنه سيكون بمثابة بداية رسمية لمرحلة تصفية نفوذ تياره داخل الدولة.

 

كما يهدف الصدر أيضاً إلى استعراض قوته السياسية وقدرته على التحشيد، من أجل تذكير الإطار التنسيقيّ وبقية الأطراف بأنه لا يمكن المضي في أي خيار يتجاهل رغبات التيار الصدري ومصالحه.

 

ويُلاحَظ أن القوى السُّنية والكردية تحاول ما أمكن النَّأْي بنفسها عن تسجيل المواقف تجاه الاحتجاجات الشعبية التي يقودها الصدر، حيث تعتبر هذه القوى أن ما يجري هو صراع داخل البيت الشيعي، وينبغي حسمه هناك دون تدخُّل من الآخرين.

 

لكن عدم إعلان المواقف من الأطراف الأخرى لا يعني أنها غير مَعْنِيَّة به، فالحزب الديمقراطي الكردستاني يُعَدّ من أبرز المستفيدين من تحرُّكات الصدر التي تُعطِّل مسار التجديد لبرهم صالح رئيساً للجمهورية، وهو الذي حاول الحزب بكل إمكانياته تعطيل ترشيحه دون جدوى.

 

كما أن مصطفى الكاظمي رئيس الوزراء مستفيدٌ مباشرةً من تحرُّكات الصدر، فتعطيل تعيين السوداني رئيساً للوزراء يعني استمرار الكاظمي في منصبه لفترة إضافية، وربما إعادة طرح اسمه مرة أخرى كحَلّ توافُقيّ بين مختلف الأطراف.

 

وتبرز إيران ومعها حلفاؤها في العراق ضِمن أبرز الخاسرين على المدى القصير من تحرُّكات الصدر، فهذه التحرُّكات ترفع من مستوى شعبيته أولاً أمام الشارع الغاضب من القوى السياسية والبرلمان الذي لم يَقُمْ منذ انتخابه بأي إنجاز يُذكَر، كما أن هذه التحركات تُعطِّل مسار تعيين المرشح الذي تدعمه في منصب رئيس الوزراء، ومعه إعادة تعيين برهم صالح، حليف طهران في بغداد.

 

لكن خسائر إيران أو أرباحها على المدى المتوسط والبعيد تعتمد على مسار الأحداث، وقدرتها أو عدم قدرتها على تمرير خياراتها.

 

وفي ظلّ المعطيات الحالية، يبدو أن المشهد يمكن أن يسير بأحد ثلاثة اتجاهات:

 

الأول: تصعيد سياسي، وربما ميداني، من طرف الإطار التنسيقي، كأَنْ يُصِرّ الإطار على عقد جلسة مجلس النواب في مكان آخر، واختيار صالح والسوداني في تلك الجلسة، وهو ما يعني وصول الصراع داخل البيت الشيعي إلى لحظة الصدام المباشر، بما قد يتطوّر إلى مواجهة بين أنصار الطرفين في الشارع، وربما صدامات عسكرية وأمنية. ولا يُحقِّق هذا السيناريو مصالح كل الأطراف الشيعية على المدى القصير والمتوسط.

 

الثاني: العودة إلى التهدئة الميدانية واستمرار الوضع السابق على ما هو عليه، لفترة قد تمتدّ لعام، ويتمّ بعدها إعادة إجراء الانتخابات النيابية، والتي ستُقرر نتائجها طبيعة السيناريوهات المستقبلية.

 

الثالث: التوصُّل إلى صيغة توافُقية بناءً على مبادرة يتم طرحها في الغالب من قِبل طرف خارجيّ. ويبدو هذا السيناريو هو الأَمْثَل، لكن لا توجد بوادرُ على وجودِ مثل هذه المُبادَرة، أو استعدادِ الأطراف الإقليمية والمحلية للقبول بها.