تراجع حدة العمليات العسكرية في إثيوبيا  وقفٌ هش لإطلاق النار وفرص السلام ما زالت بعيدة

تراجع حدة العمليات العسكرية في إثيوبيا وقفٌ هش لإطلاق النار وفرص السلام ما زالت بعيدة

 

أدى تجدد العمليات العسكرية والقتالية بين جبهة تحرير تيغراي والقوات الإثيوبية في أواخر أغسطس/آب إلى انهيار هدنة وقف إطلاق النار بين الجانبين، إثر تقدم قوات جبهة تحرير تيغراي باتجاه إقليم أمهرة؛ لمحاولة فك الحصار الذي تفرضه القوات الحكومية وحلفائها على تيغراي.

وبعد مضي أيام على المعارك التي شهدت سيطرة قوات تحرير تيغراي على مناطق مهمة على الطريقين الدوليين (A2) و(B20)، عادت الجبهة وأعلنت استعدادها للالتزام بهدنة جديدة في 9 سبتمبر/أيلول بشرط أن يتم وصول المساعدات الإنسانية بدون قيود، وإعادة الخدمات الأساسية إلى تيغراي، ما أدى إلى تراجع حدة الاشتباكات.

انهيار الهدنة جاء بعد دعوات وتحركات متعددة أطلقتها الحكومة الإثيوبية من أجل بدء الحوار مع جبهة تحرير تيغراي، وشملت بشكل رئيسي تشكيل لجنة يرأسها وزير الخارجية ديمكي ميكونين لقيادة جهود بناء الحوار، والسماح للمبعوث الأمريكي للقرن الإفريقي Mike Hammer، ومبعوثة الاتحاد الأوروبي للقرن الإفريقي Annette Weber بزيارة مدينة Mekelle عاصمة إقليم تيغراي في مناطق سيطرة جبهة تحرير تيغراي. و(يُعتقد) أنهما التقيا هناك زعيم جبهة تحرير تيغراي Debretsion Gebremichael.

وفي الوقت الذي ساد فيه اعتقاد أن بدء انطلاق الحوار أصبح قريباً بين الطرفين شنت الجبهة هجوماً مباغتاً تمكنت فيه من كسر الطوق الذي تفرضه القوات الإثيوبية من جهة إقليم أمهرة، وسيطرت على عدد من الأراضي والمواقع الحيوية على الطريقين السريعين (A2) و(B20).

الهجوم الذي شنته جبهة تحرير تيغراي كانت منفرداً، أي لم يشارك فيه حلفاؤها، خصوصاً جبهة تحرير أورومو، بالإضافة إلى أن القدرات التي استخدمتها تحرير تيغراي كانت عالية في شن الضربة الاستباقية، وهو ما يشير إلى أنها تمكنت خلال فترة الهدنة التي امتدت خمسة أشهر من التقاط أنفاسها والحصول على مزيد من الأسلحة.

العوامل السابقة كانت تشكل أكثر التساؤلات إلحاحاً بالنسبة للأوساط المعنية بالقضية الإثيوبية محلياً ودولياً، وهذه التساؤلات في واقع الأمر باتت الإجابة عليها ممكنة بعد تراجع حدة العمليات القتالية.

فبالنسبة لمسار المعارك عسكرياً، يلاحظ أن القوات الإثيوبية وحلفاؤها من ميليشيات أمهرة لم تكن حريصة على صد هجمات تحرير تيغراي لمنع تقدمها، فالكثير من المواقع مثل مدينة (غوبو) انسحبت منها القوات المدافعة دون إبداء مقاومة كبيرة.

عدم استمرار جبهة تحرير تيغراي في التقدم وإعادة إعلانها القبول بتجديد الهدنة يشير إلى أن لديها أهدافاً تحققت من هذه العملية، وعلى الأرجح تتمثل باكتساب زخم أكبر على الأرض، بما ينعكس على تقوية موقفها سياسياً في حال قررت الانخراط في مفاوضات سلام مع أديس أبابا.

وتُدرك الحكومة الإثيوبية تماماً أن عودة المعارك في هذه المرحلة سيؤدي إلى إفشال العديد من السياسات الحكومية المتعلقة بالتنمية والتطوير، لا سيما الاستفادة من المِلْء الثالث لسد النهضة، ولذلك كان لديها استعداد للدخول في مفاوضات السلام بشكل غير مشروط وهذا الاستعداد لا يزال سارياً.

وبناء على ما سبق، من المتوقع خلال المدى المنظور، أن يستمر هدوء المعارك نسبياً مع تجدد الاشتباكات بشكل متقطع بناء على الالتزام بالهدنة الجديدة، وستترافق على الأرجح مع تجديد جهود الوساطة الدولية لا سيما من قبل بعثة الاتحاد الإفريقي لتثبيت الهدنة ومن ثم الانطلاق نحو بناء قاعدة تفاهمات لإطلاق حوار غير مباشر بين الجانبين.

بالمقابل، فإن بناء عملية السلام لا يزال يحتاج إلى حصول عدة عوامل بناء ثقة بين الحكومة والمتمردين، ويبدو أن أديس أبابا باتت أكثر اقتناعاً بإبداء المرونة من أجل احتواء التصعيد في أعقاب إعلان مستشار الأمن القومي الإثيوبي رضوان حسين في 28 يوليو/تموز، أن الحكومة مستعدة للتحدث "في أي وقت وفي أي مكان، وإن المفاوضات يجب أن تبدأ دون شروط مسبقة".

ومن جهة ثانية من غير الواضح، كيفية وماهية الآليات المتاحة لإذابة الجليد بين الجانبين لانطلاق المفاوضات. ويعني غياب وضوح هذه الآليات أن انطلاق مفاوضات السلام بشكل فعال ورسمي قد يستغرق أشهراً، وهذا الأمر بالتأكيد يجعل من أي اتفاق للهدنة ووقف إطلاق النار هشاً وعرضة للانهيار في أي وقت.