سوريا تطمح إلى إعادة تشكيل ممرّات التجارة بدلاً من مضيق هرمز
2026-06-10230 مشاهدة
في ظلّ التحوُّلات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة يبرز الدور الجديد الذي تطمح سوريا للعبه كممرّ تجاري وطاقي إستراتيجي. وفي هذا السياق، يُقدّم مركز أبعاد للدراسات الإستراتيجية هذا المقال المترجم عن مجلة فورين بوليسي، المنشور في 29 مايو/ أيار 2026، والذي يستعرض فرص سوريا في أن تصبح بديلاً عن مضيق هرمز في ظلّ الأزمات الحالية.
نص الترجمة
عندما انهار النظام السوري أعلن الرئيس أحمد الشرع اعتماد سياسة خارجية مبنية على مبدأ صفر مشكلات؛ بهدف كسر العزلة الدولية طويلة الأمد ومعالجة الأزمات الاقتصادية المزمنة. وقد لاقت هذه الرؤية صدى واسعاً، وتمكنت من جذب استقرار نسبي مهَّد لدخول استثمارات تجاوزت 28 مليار دولار من دول الشرق الأوسط خلال 2025، مع توقيع المزيد من الصفقات الضخمة في 2026 حتى الآن.
ومع استمرار الحرب مع إيران، برزت سوريا كلاعب مركزي في إعادة رسم خريطة التدفقات التجارية والطاقية العالمية، فهي تُقدّم نفسها كممرّ بري تحوُّليّ يربط آسيا بأوروبا عَبْر قلب الشرق الأوسط، خاصة في ظلّ إغلاق مضيق هرمز واستمرار الاضطرابات الأمنية في البحر الأحمر، وهذا التحول ليس مجرد ردّ فعل تكتيكي، بل إستراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى استغلال الموقع الجغرافي السوري كبديل بري أكثر أماناً واستدامة.
ويُستشهد على أهمية هذا التوجُّه السريع بالارتفاع في مستوى التعامل الدولي مع دمشق، كمشاركة سوريا في قمة مجموعة السبع التي انعقدت في مايو/ أيار 2026، ودعوة الرئيس السوري للمشاركة في قمة أخرى منتصف يونيو/ حزيران 2026. إن هذا الارتفاع المفاجئ في المكانة يعكس إدراك القوى الدولية للدور الذي يمكن أن تلعبه سوريا في تقديم حلول مستدامة للتحدِّيَات الناتجة عن الصراع الإيراني.
إحياء مشروع "البحار الأربعة": رؤية إستراتيجية لأمن الطاقة والتجارة
في قمة طارئة للاتحاد الأوروبي عُقدت بقبرص في إبريل/ نيسان 2026، قدم الشرع رؤيته الطموحة بوضوح: "سوريا التي كانت يوماً ساحة لصراعات الآخرين، اختارت اليوم أن تكون جسراً للأمن وركيزة أساسية للحلّ"، موضحاً أن بلاده يمكن أن تُشكّل "شرياناً بديلاً وآمِناً يربط وسط آسيا والخليج بقلب القارة الأوروبية".
واقترح الرئيس السوري حينها إحياء مشروع "البحار الأربعة" الذي ظلّ حبراً على ورق لعقود، والذي يجعل سوريا مركزاً لوجستياً وتجارياً يربط بين البحر المتوسط والبحر الأسود وبحر قزوين والخليج العربي عَبْر شبكة متكاملة من السكك الحديدية والطرق البرية وخطوط الأنابيب.
ويحمل هذا المشروع أبعاداً جيوسياسية عميقة، إذ سيساهم في تقليل الاعتماد العالمي المفرط على مضيق هرمز، ويفتح ممرات برية بديلة عبر الشرق الأوسط. وقد مهدت لذلك خُطوتان دبلوماسيتان مهمتان؛ الأولى زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى دمشق في إبريل/ نيسان 2026، وإعلان تركيا في مايو/ أيار 2026 رفع القيود الجمركية مع أرمينيا، مما يتيح الوصول الفعّال إلى بحر قزوين والبحر الأسود.
أيضاً مضمون البحار الأربعة من الممكن أن يُشكّل تحوُّلاً ذا أهمية عالمية كبرى، سواء للدول الإقليمية أم لمصدِّري الطاقة في الخليج أو للمستهلكين في أوروبا، وكذلك لسوريا نفسها. كما أن ارتفاع تكاليف التأمين على الشحن البحري بسبب الحرب مع إيران قد خلق ميزة تنافسية للنقل البري، حتى في حال عودة السلام.
وعلى نطاق أوسع، فإن تعافي سوريا وازدهارها يمكن أن يولدا آثاراً إيجابية ممتدة لدول الجوار، من خلال تعزيز الاستقرار والتكامل الإقليمي في منطقة لطالما افتقرت إلى ذلك. وليس من قَبيل المصادفة أن تتقاطع الرؤية الاقتصادية للشرع مع التحديات الأمنية والاقتصادية العالمية، إذ إن غياب مشروع جيوسياسي يجعل جذب الاستثمارات أمراً صعباً، وعلى الرغم من صحة التحذيرات المتعلقة بتدهور البنية التحتية السورية، فإن أي عملية إعادة بناء يجب أن تبدأ من نقطة ما.
الواقعية الاقتصادية والتداعيات الإستراتيجية
رغم الطموح الكبير، تبقى التحديات هائلة، حيث تُقدر احتياجات إعادة إعمار سوريا بمئات المليارات من الدولارات. كما أن الطرق البرية، لا يمكنها بعد استيعاب الحجم الهائل للتجارة البحرية، والبنية التحتية تحتاج إلى إعادة تأهيل لتكون قادرة على مواكبة بنود مشروع البحار الأربعة.
من المهم الإشارة إلى أن مضيق هرمز كان ينقل 27% من نفط العالم، و20% من الغاز الطبيعي المسال، و30% من الأسمدة العالمية، إضافة إلى 26 مليون حاوية سنوياً. ويُشكل الغذاء المستورد عبر المضيق نحو 85% من احتياجات دول الخليج، لذلك فإن طرح الرؤية السورية التي تهدف إلى أن تكون بديلاً عن المضيق لا تزال تحتاج ترتيبات عديدة.
ومع ذلك، إذا نجحت سوريا في تحقيق طموحاتها كمركز لوجستي إقليمي وعالمي، فإن ذلك لن يقتصر على مصلحتها الوطنية، بل سيولد تداعيات إيجابية واسعة النطاق، تتمثل بتعزيز الاستقرار الإقليمي، وتعميق التكامل الاقتصادي في الشام، بالإضافة إلى تقديم نموذج نادر للتنمية المشتركة في منطقة طالما عانت من الصراعات.
ممرّات جديدة للأمن الغذائي والطاقة
في الوضع الحالي رغم الأزمة تبرز أحد أبرز الفرص في مجال الأمن الغذائي لدول الخليج مدفوعة بالقلق طويل الأمد، حيث إن الاعتماد على هرمز دفع السعودية إلى دراسة إنشاء خط سكة حديد عالي السرعة ينقل الغذاء والسلع من سوريا عبر الأردن إلى مدينة عرعر. كما أسست كل من سوريا والأردن وتركيا هيئة ثلاثية لتطوير ممر تجاري يعتمد على الطرق البرية وإحياء خط سكة حديد الحجاز، الذي يربط ميناء العقبة بالموانئ التركية.
أما في قطاع الطاقة، فيجري تقييم فني لأربعة مشاريع أنابيب كبرى تشمل سوريا هي؛ خط الغاز العربي، خط كركوك-بانياس، خط قطر-تركيا، وإعادة تأهيل خط التابلاين، وقد بدأت بالفعل عمليات نقل نفط عراقي عَبْر سوريا إلى أوروبا، مع تقارير عن مشاركة إماراتية وخليجية مماثلة.
وحظيت عدة مشاريع بدعم استثماري واسع من دول قطر والسعودية والإمارات، وقد دخلت شركات طاقة كبرى مثل قطر للطاقة وأرابيان دريلينغ في شراكات داخل القطاع. كما لعبت الإدارة الأمريكية دوراً داعماً من خلال تخفيف العقوبات بسرعة، وتقديم دعم سياسي، وتمكين دخول شركات أمريكية إلى السوق السورية، بما في ذلك شيفرون Chevron، وكونوكو فيليبس Conoco Phillips.
العقبات الأمنية
استمرار سوريا على مسار مشروع البحار الأربعة يتطلب دعم الاستقرار السياسي، إضافة إلى تخفيف التوتُّرات الإقليمية، خصوصاً بين سوريا وإيران من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى، والتي لا تزال تُكثّف من عملياتها العسكرية داخل سوريا بشكل متصاعد، مما يقوض فرصة نادرة لإعادة بناء الاستقرار الاقتصادي في المنطقة.
المصدر: فورين بوليسي Foreign Policy




