logo
facebooktwitterinstagramyoutubelinkedintelegramthreads
ما سيناريوهات الحرب على غزة؟
نوفمبر 14, 2023
483
حجم الخط


بعد مرور 38 يوماً على المعركة، وتوغُّل القوات الإسرائيلية في محاور عدة من مدينة غزة بهدف تحقيق أهدافها المُعلنة "سحق المقاومة، وتحرير الأسرى، وتهجير سكان غزة إلى سيناء، أو تقليص مساحة القطاع بما يسمح بعودة الأمن المفقود للمستوطنات"، وفي ظل الدمار الكبير وغير المسبوق الذي حل بمدن قطاع غزة، بفعل الجرائم التي ترتكبها آلة الحرب الإسرائيلية ضد المدنيين، والتي أسفرت عن استشهاد أكثر من 12 ألفاً جلهم من الأطفال والنساء، وتدمير أكثر  من  60% من المباني والمؤسسات الرسمية والخاصة، ونزوح أكثر من نصف سكان قطاع غزة داخلياً بفعل الحرب المدعومة من قوى دولية على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وأطراف أوروبية أخرى، وما ترتب على ذلك من انعكاسات سلبية على مستوى الرأي العالمي، يبقى تصوُّر السيناريو الأقرب لنهاية الحرب فيه الكثير من نسب الصواب والخطأ، خصوصاً أن الجولة الحالية بين الاحتلال والمقاومة لا تشبه ما تقدم من جولات عدة سابقة.

ولا رَيْب في أن اختلاف أسباب الحرب الحالية على غزة عن سابقاتها من الجولات المشابهة، تؤكده كثافة النيران الإسرائيلية التي تستهدف المدنيين والمقاومة على حدّ سواء، وهذا ما جعل الكثير من المراقبين يتحدث عن وجود حربين في آنٍ واحد، واحدة تستهدف المدنيين وتسعى للقضاء على كل مقوِّمات الحياة في قطاع غزة لجعل مخطط التهجير واقعاً، أو عدم إبقاء خيارات للبقاء في غزة، وأخرى تسعى لتحقيق أي إنجاز عسكري ضد المقاومة في غزة، خاصةً أن إطالة أَمَد الحرب لا يُشكِّل عاملاً ضاغطاً على السكان والمقاومة في غزة فحسبُ، بل يقف نتنياهو والجبهة الإسرائيلية على أطراف أصابعهم انتظاراً لأي معلومات عن مصير نحو 250 أسيراً من  العسكريين والمدنيين الذي وقعوا في قبضة كتائب القسام بفعل عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر من العام 2023.

وفي ظل استمرار العمليات العسكرية، وفشل كافة مساعي التهدئة الإقليمية والدولية، واضطرار الإدارة الأمريكية وحكومة نتنياهو لإعلان تهدئة يومية لأربع ساعات تحت عنوان "تهدئة إنسانية" في 9 نوفمبر 2023، وحرص يوآف غالانت وزير الدفاع الإسرائيلي على نفي وقف إطلاق النار بعد ساعات قليلة على إعلان تلك التهدئة التي وُصفت بالتكتيكية إسرائيلياً، يمكن الإشارة إلى أربعة سيناريوهات بارزة هي:

1) سيناريو استمرار الوضع الحالي "إطالة أَمَد الحرب":

يفترض هذا السيناريو أن تستمر إسرائيل في حربها على غزة بغضّ النظر عن الضغوط المحلية والدولية أملاً في تحقيق أهدافها المعلنة، مقابل قدرة المقاومة على الصمود، خاصةً أن القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية تتحدث عن إمكانية استمرار الحرب لأشهر طويلة بغضّ النظر عن الخسائر البشرية والمادية التي تُوصف إسرائيلياً بالمؤلمة، مقابل قدرة المقاومة على الصمود وإيقاع المزيد من الخسائر في صفوف القوات البرية الإسرائيلية.

شروط تحقُّق السيناريو: لكي يتحقق هذا السيناريو لا بد من سيطرة القوات البرية الإسرائيلية على مناطق واسعة من قطاع غزة، والوصول إلى البنية التحتية للمقاومة، مع تحمُّل الخسائر المؤلمة على مستوى الجنود والآليات العسكرية.

كما أن تحقُّق هذا السيناريو يحتاج إلى الدعم الإسرائيلي الداخلي، مع الوضع في الاعتبار تلك الضغوط الشعبية والسياسية على حكومة نتنياهو، فهناك تخوُّف من موت المزيد من الأسرى بفعل القصف الجوي المكثف ضد الأهداف المدنية في غزة، فضلاً عن فقدان الثقة بالقوة العسكرية بسبب عدم الإعلان عن أي إنجازات عسكرية بعد ثلاثة أسابيع من الحرب البرية.

من ناحية أخرى، فإن استمرار ما بات يُوصف بالإبادة الجماعية بحق سكان قطاع غزة يقابلها ضغط شعبي دولي على القوى الداعمة لإسرائيل، حيث تحتاج تل أبيب لضمان الهدوء على مستوى الضفة الغربية والإقليم، فهناك بعض المؤشرات التي تُنذر بفتح جبهات أخرى تخشاها إسرائيل وحلفاؤها.

احتمالية السيناريو: يُعَدُّ الوزن النسبي لهذا السيناريو الأكثر ترجيحاً؛ لأن توقُّف الحرب دون تحقيق إسرائيل لأهدافها يعني اعترافاً صريحاً بالهزيمة أمام المقاومة، وبالتالي صعوبة موقفها السياسي؛ لأن المقاومة لا تكتفي بتبادُل الأسرى كما الجولات السابقة، فلديها الكثير من المطالب المتعلقة بفكّ الحصار عن غزة، واستئناف العملية السياسية السلمية، خاصةً أن 7 أكتوبر قوضت حلم التوسع الإسرائيلي القائم على المستوطنات، علاوة على أن نهاية الحرب بهذا الشكل ستُنهي حياة نتنياهو السياسية، والشخصية، فمن أسباب إطالة أَمَد الحرب هو تهرُّب نتنياهو من عدة قضايا تتعلق بالفساد، وقضايا أخرى لها علاقة بالأمن القومي، خاصةً أنه تجاهل التحذيرات التي سبقت "طوفان الأقصى"، والاستمرار في الحرب في هذه الحالة يمثل عملية هروب إلى الأمام لتوسيع خيارات نتنياهو وتأجيل مساءلته.

2) سيناريو التهدئة الإنسانية التدريجية وصولاً إلى وقف إطلاق النار:

يفترض هذا السيناريو أن بَدْء مسار التهدئة الإنسانية سيقود إلى المزيد منها، باعتبار ذلك درجات لبناء سلم كامل يُمكّن نتنياهو من النزول عن شجرة الحرب، حيث يُعتقد أن نتنياهو قضم أكثر مما يستطيع الهضم، بمعنى أن الأهداف الإسرائيلية المُعلنة من الحرب تبدو بعيدة المنال في ظل عدم نجاح القوات البرية الإسرائيلية في تحقيق إنجازات واضحة على حساب المقاومة في غزة.

شروط تحقُّق السيناريو: يحتاج هذا السيناريو إلى سلسلة متلاحقة من الهُدن الإنسانية، مع استمرار فشل إسرائيل في تحقيق أهدافها العملياتية المتعلقة بعدم السيطرة على المناطق المتواجدة فيها، كـ "استمرار ضربات المقاومة، والصواريخ الموجهة للمدن الإسرائيلية"، بالتالي فإن إطالة أَمَد الحرب يصبح غير ذي أهمية، ومُكلفاً لإسرائيل عسكرياً وسياسياً، وقد ظهر ذلك جلياً في تراجُع الأهداف الإسرائيلية المعلنة تدريجياً، فقد أصبح وقف إطلاق النار مرهوناً بإطلاق سراح الأسرى، مع تجاهُل سحق المقاومة والتهجير، إضافةً إلى تصاعُد وتيرة غضب الرأي العامّ العالمي، وبالأخص لدى الشعوب الغربية، وهو ما قد يدفع الدول الداعمة للتراجع، أو إجبار إسرائيل على هدنٍ إنسانية تقود إلى وقف إطلاق النار.

ولعل ما يعزز من هذا السيناريو نجاح تلك الجهود الإقليمية والدولية المتعلقة بالتهدئة، خاصةً أن قيادة حماس توجّهت إلى القاهرة في 9 نوفمبر، وهو ما يؤشر على دور سياسي مصري ظل شِبه مفقود لأكثر من شهر على الحرب، والمعروف أن الدور المصري أساسي في الوساطة والهدن كما حدث في الجولات السابقة.

احتمالية السيناريو: ​​​​​​​لا يقل الوزن النسبي لهذا السيناريو كثيراً عن السيناريو السابق؛ لأن ضبابية الموقف وتراجُع إسرائيل عن أهدافها يؤكد عدم قدرتها على الحسم، وفي الوقت ذاته غالباً لن تستطيع إسرائيل تحمُّل المزيد من الخسائر العسكرية والاقتصادية والمدنية، فالدمار في غزة يقابله توقُّف لمظاهر الحياة في المدن الإسرائيلية، كما أن الدعم الدولي لإسرائيل يحتاج لنتائج عسكرية لم تحققها إسرائيل حتى الآن، وهذا ما دفع أهالي أسرى الاحتلال قبل أيام قليلة إلى السعي من أجل تجنيس أسراهم لدى المقاومة بجنسيات غربية من أجل تدويل قضيتهم والضغط على المقاومة دولياً، إضافة إلى ضمان استمرار الدعم الدولي للموقف الإسرائيلي.

3) سيناريو وَقْف الحرب من طرف واحد

يفترض هذا السيناريو ذهاب إسرائيل نحو خيار وقف الحرب من طرف واحد على غرار بعض الجولات السابقة.

شروط تحقُّق السيناريو: يحتاج هذا السيناريو إلى تحقيق إسرائيل أي إنجاز جزئي كبير على حساب المقاومة، كـ "الوصول البري إلى مستشفى الشفاء" الذي تعتبره إسرائيل معقل حماس، أو نجاحها في استغلال التهدئة الإنسانية لتفريغ مدينة غزة وأحيائها الشمالية من السكان، والضغط على المقاومة لتسليم الأسرى مقابل إدخال المساعدات إلى غزة.

احتمالية السيناريو: تقلّ فرص هذا السيناريو أمام السيناريوهات السابقة؛ لأن أسباب الحرب الحالية وأهدافها تختلف عن الجولات السابقة، كما أن ظهور إسرائيل غيرَ منتصرة يُعَدّ خسارة للتحالف الدولي الداعم لها، كما أن الوصول إلى هذا السيناريو لا يُبعد حماس عن الحكم، وقد يعتبره الكثيرون نصراً لحلفائها في الإقليم على حساب المعسكر المدعوم أمريكياً.

4) سيناريو استسلام المقاومة في غزة:

تراهن إسرائيل على تحقيق نصر على حساب حماس، عَبْر دفعها نحو الاستسلام أمام عدم تحمُّل العدد الكبير من الشهداء والدمار الذي من شأنه هدم الحاضنة الشعبية للمقاومة في غزة، حيث يركز الاحتلال على تدمير كافة المرافق الصحية، والضغط على وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين لوقف خدماتها الإنسانية، وضرب كافة مقوّمات الحياة من أجل الوصول إلى هذا الهدف.

شروط تحقُّق السيناريو:​​​​​​​ لتحقيق هذا السيناريو لا بد من توسُّع الفجوة بشكل كبير بين الفصائل الفلسطينية وحاضنتها الشعبية في غزة، وكذلك عدم قدرة المقاومة على الصمود وتوجيه الضربات الدفاعية على الهجوم البري الإسرائيلي.

احتمالية السيناريو:​​​​​​​ تركز إسرائيل على تحقيق هذا السيناريو من خلال الحديث عن مستقبل غزة بعد حركة حماس، كما أن التوغل الإسرائيلي البري ما زال في بداياته الأولى، ويركز على مناطق محددة دون الأخذ في الاعتبار انتشار الفصائل في كافة مناطق قطاع غزة، مع وجود حاضنة شعبية لها، مع وجود شجاعة وشراسة قتالية تُبديها عناصر المقاومة من خلال خوض المواجهات من نقطة الصفر دون التفكير، وهو ما يعترف به الإعلام الإسرائيلي أيضاً، حيث تعترف العديد من التحليلات في إسرائيل، بشراسة المقاومة مما يقلل من فرص إسرائيل في فرض الاستسلام.

ختاماً تلعب النتائج المترتبة على العمليات العسكرية على الأرض دوراً مهماً في الدفع باتجاه أي من السيناريوهات السابقة، كما لا يقل الضغط المحلي والدولي من حيث الأهمية، لكن حتى هذه اللحظة يبقى سيناريو إطالة أَمَد الحرب الأكثر ترجيحاً؛ لأنه يخدم مخطط تهجير السكان الذي تسعى إسرائيل إليه، وبدرجة أقل يأتي سيناريو التهدئة التدريجية التي تقود إلى وَقْف إطلاق النار.

 

 

logo

مركز أبعاد للدراسات الإستراتيجية، مركز دراسات وتفكير، تأسس في لندن مطلع يناير 2020، بفريق من الباحثين والخبراء المختصِّين من مجموعة واسعة من دول منطقة الشرق الأوسط.

اتصل بنا

  • 00442036758971
  • info@dimensionscenter.net
  • Dimensions, The Mille, 1st floor, 1000 Great West Road, Brentford, TW8 9DW, GB
© 2023 مركز أبعاد للدراسات الاستراتيجية، جميع الحقوق محفوظة.
Powered with
by
lazemni.com