انسداد التغيير من الأسفل في إيران تشريح أزمة الشرعيّة ومَآلات السلطة
2026-01-04159 مشاهدة
Download PDF
تواجه الجمهورية الإسلامية في إيران -وهي تدخل عقدها الخامس- معضلةً وجوديّةً مركَّبةً تتجاوز مجرد الاستياء الشعبي التقليدي، إذ يعيش النظام حالة من التآكل الداخلي المستمر بالتوازي مع تصاعُد الضغوط الخارجية، ومع ذلك فإنه يُظهر قدرة "ديناميكية" على التكيف تتيح له النجاة من موجات الاحتجاج المتتالية.
لا يعود هذا البقاء إلى قوة الأيديولوجيا التي فقدت بريقَها، بل إلى هندسة دقيقة ومعقدة تعتمد على عسكرة الدولة، وتفتيت المجتمع، والاستثمار الذكي في التناقضات الدولية، مما يجعل عملية التغيير من الأسفل شِبه مستحيلة في ظلّ المعطيات الراهنة، ويفتح المجال لسيناريوهات بديلة تقودها مراكز القُوى داخل السلطة نفسها.
تشريح أزمة الشرعية: انهيار العَقْد الاجتماعي
لم تَعُدْ أزمة الشرعية في إيران مجرد تراجُع في الشعبية، بل تحولت إلى قطيعة تامة في العَقْد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع.
نشأت هذه الفجوة منذ السنوات الأولى للثورة عَبْر التصفية المنهجية للشركاء السياسيين من اليساريين والليبراليين، لكنها تعمَّقت بشكل خطير بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية وبَدْء حقبة "الإعمار" التي أسَّست لطبقة أوليغارشية جديدة مرتبطة بالحرس الثوري ومؤسسات المرشد.
ومع حلول مطلع التسعينيات، بدأت طبيعة الاحتجاجات تتغير جذرياً، حيث انتقل المحرك الأساسي من النزاع الأيديولوجي والسياسي إلى الصراع من أجل البقاء الاقتصادي.
شهدت الخارطة الاحتجاجية تحوُّلات نوعية، فبينما تميَّزت احتجاجات 1999 و2003 بطابع نخبويّ قاده الطلاب والمثقفون للمطالبة بالحريات، ومثلت "الحركة الخضراء" عام 2009 ذروة الحراك السياسي الطبقي المتوسط الهادف للإصلاح من داخل المنظومة، جاءت موجات 2017، 2019، و2022 لتعلن نهاية "وَهْم الإصلاح".
تميزت هذه الموجات الأخيرة بأنها حركات "بلا رأس"، قادها الفقراء والمهمشون وسُكّان الأطراف، مدفوعين بانهيار العملة وشحّ المياه وارتفاع أسعار الوقود، قبل أن تُتوَّج بانتفاضة "المرأة، الحياة، الحرية" التي دمجت للمرة الأولى المطالب المعيشية بالهُوِيّة الاجتماعية والحرية الشخصية، مُشكِّلةً بذلك أخطر تحدٍّ ثقافي وسياسي للنظام منذ تأسيسه.
ورغم شمولية هذه الاحتجاجات، إلا أنها اصطدمت بجدار صلب من القمع الممنهج وغياب الحاضنة السياسية البديلة.
البِنْية التحتية للقمع: من العنف المفرط إلى "الاستبداد الرقمي"
لا يعتمد بقاء النظام الإيراني حصراً على العنف المادي، بل يستند إلى بِنْية تحتية قمعية متعددة الطبقات.
يبرز في هذا السياق دور "الحرس الثوري" ليس فقط كقوة عسكرية، بل كإمبراطورية اقتصادية تسيطر على مفاصل الاتصالات، والطاقة، والبناء، مما يجعله الدولة العميقة المتحكمة في موارد البلاد.
تتيح هذه السيطرة للنظام ممارسة "القمع الذكي" عَبْر قطع الإنترنت، والمراقبة الرقمية الشاملة، وخنق المجتمع مدنياً، مما يمنع تشكُّل أيّ تنظيمات أفقية بين المحتجين.
علاوة على ذلك، نجح النظام في تطبيق إستراتيجية "تفتيت المجتمع"، حيث يتم منع تشكيل النقابات العمالية المستقلة أو الاتحادات الطلابية الفاعلة، مما يُبقي الأفراد معزولين في مواجهة آلة الدولة الضخمة.
وتتكامل هذه الإستراتيجية مع سياسة "شبكات الزبائنية"، حيث يربط النظام معيشة ملايين الأُسَر -خاصة في القرى والأرياف- بالمساعدات الحكومية والوظائف البسيطة في الباسيج والمؤسسات الدينية، مما يخلق قاعدة اجتماعية، وإنْ كانت متآكلة، إلا أنها تخشى البديل وتتمسك بالوضع القائم خوفاً من الفوضى أو قطع الأرزاق.
أزمة البديل: هندسة الفراغ السياسي والمعارضة المستنسخة
تمثل غياب القيادة الموحدة والبديل السياسي المقنع "الحلقة المفقودة" التي تمنع تحوُّل الغضب الشعبي إلى تغيير سياسي ناجز.
لقد عملت الجمهورية الإسلامية بذكاء إستراتيجي طوال عقود على "تجريف" الساحة السياسية الداخلية، عَبْر الاغتيالات، والاعتقالات طويلة الأمد، والنفي القسري، مما حالَ دون ظهور شخصيات كاريزمية قادرة على توحيد الشارع. وفي الخارج، اخترق النظام صفوف المعارضة عَبْر زرع الشكوك، وتوظيف "المعارضة التصديرية" التي تخدم أجندته بشكل غير مباشر، إما عَبْر تبنِّي خطابات متطرفة تُنفِّر الداخل، أو عَبْر الترويج لإمكانية الإصلاح المستحيلة.
تتجلى أزمة المعارضة بوضوح في حالة رضا بهلوي، الذي رغم حضوره الإعلامي، فشل في تقديم مشروع سياسي جامع يتجاوز الحنين للماضي. يصطدم مشروع "العودة للملكية" بحواجز بنيوية عميقة، أبرزها رفض القوميات غير الفارسية (الأكراد، البلوش، العرب، والآذريين) لأي عودة للمركزية الشديدة التي ميزت العهد السابق، إضافة إلى عدم قدرة المعارضة في الخارج على بناء جسور ثقة حقيقية مع "الطبقة الرمادية" في الداخل، التي تخشى من أن يؤدي سقوط النظام دون بديل جاهز إلى سيناريوهات مشابهة لسوريا أو ليبيا، وهو خوف يغذيه النظام باستمرار عَبْر آلته الدعائية. كما أن فشل تحالُفات المعارضة الأخيرة (مثل تحالف جورج تاون) أثبت هشاشة التوافق بين أطياف المعارضة وتغليب المصالح الحزبية الضيقة على المشروع الوطني.
الدور الغربي المتناقض: سياسة الاحتواء بدلاً من التغيير
لعبت السياسات الغربية، وتحديداً الأمريكية والأوروبية، دوراً وظيفياً غير مقصود في إطالة أَمَد النظام. فبدلاً من تبنِّي إستراتيجية واضحة لدعم التغيير الديمقراطي، تأرجحت المواقف الغربية بين العقوبات الاقتصادية وبين صفقات "الاحتواء" التي وفرت للنظام طَوْق نجاة في اللحظات الحَرِجة.
تُظهر السوابق التاريخية، مثل الإفراج عن الأرصدة المجمَّدة في عهد إدارة أوباما، وتسويات الديون البريطانية، وسياسات "غضّ الطرف" عن مبيعات النفط الإيراني للصين في فترات معينة، أن الغرب يفضل التعامل مع "شيطان يعرفه" في طهران على المخاطرة بفوضى إقليمية قد تنجم عن انهيار مفاجئ للنظام. [1]
يستغل النظام الإيراني ببراعة مخاوف الغرب من "الانتشار النووي" و"أمن الطاقة" لابتزاز المجتمع الدولي والحصول على تنازلات مالية وسياسية، يتم توظيفها فوراً لتمويل الأجهزة الأمنية وشبكات الوكلاء الإقليميين بدلاً من تحسين الوضع المعيشي. هذه الازدواجية الغربية رسَّخت قناعة لدى الشارع الإيراني بأنه يقاتل وحيداً، وأن الرهان على التدخل الدولي الإيجابي هو رهان خاسر، مما يعزز حالة الإحباط واليأس التي تخدم إستراتيجية النظام في إخماد الحماس الثوري.
مستقبل السلطة: الانقلاب الناعم وسيناريو "الجمهورية العسكرية"
في ظلّ انسداد أُفُق التغيير من الأسفل، تتجه الأنظار نحو الحراك الداخلي في أروقة السلطة، حيث تشير المعطيات إلى أن إيران تقف على أعتاب تحوُّل هيكلي يقوده "الحرس الثوري" والدولة العميقة، في عملية يمكن وصفها بـ "الانسلاخ السياسي".
يهدف هذا السيناريو إلى التخلص من الحرس القديم والطبقة الدينية التقليدية التي باتت تشكِّل عبئاً ثقيلاً على كفاءة الدولة وعلاقاتها الخارجية، واستبدالها بنظام ذي طابع "عسكري-أمني" بامتياز، قد يحتفظ ببعض الرموز الدينية كواجهة شكلية، لكنه يمارس السلطة بمنطق القوة والمصلحة القومية لا بمنطق الثورة الإسلامية.
تسارعت وتيرة هذا التحول المحتمل بعد التوترات العسكرية الأخيرة في المنطقة منتصف عام 2025، وانكشاف الضعف الأمني للنظام أمام الاختراقات الخارجية كما ظهر في الاغتيالات النوعية والعمليات الاستخباراتية [2] .
وتدرك النخبة الأمنية الحاكمة أن استمرار الوضع القائم مستحيل، وأن الحفاظ على الامتيازات الاقتصادية والسلطوية يتطلب "تضحيات" قد تشمل التخلي عن فرض الحجاب قسراً، أو تقليص صلاحيات رجال الدين في الشأن العامّ، أو حتى الانفتاح المشروط على الغرب، وذلك مقابل إحكام القبضة الأمنية والعسكرية على البلاد.
الخُلاصة: التحوُّل الحتميّ
تشير القراءة الإستراتيجية للمشهد الإيراني في مطلع عام 2026 إلى أن النظام بشكله الحالي قد استنفد أسباب بقائه التاريخية، وأصبح هيكلاً فارغاً يعتمد حصراً على القوة الغاشمة.
ومع ذلك فإن السقوط التلقائي ليس حتمياً، فالأرجح هو حدوث عملية "تحوُّل من الأعلى" تقودها المؤسسة العسكرية والأمنية لضمان استمرارية النظام بجِلْد جديد، مستغلّةً غياب البديل المنظَّم وتشتُّت المعارضة. هذا السيناريو وإنْ كان يضمن بقاء الدولة العميقة لفترة أطول، إلا أنه يُؤسِّس لمرحلة جديدة من الصراع، لن تكون بين "شعب ونظام ديني"، بل بين مجتمع مدني مُنهَك وديكتاتورية عسكرية صريحة، مما يعني أن دورة عدم الاستقرار في إيران مرشَّحة للاستمرار والتصاعُد بأشكال أكثر عنفاً ودمويةً في المستقبل القريب.
[1] مسؤول إيراني يكشف: أوباما منحنا سراً 1.7 مليار دولار أمريكي، الخليج أون لاين، سبتمبر/ أيلول 2017، الرابط: https://h7.cl/1hgNz
[2] الاختراق الإسرائيلي يثير صراعاً داخلياً بين المسؤولين والأجهزة الأمنية في إيران، إيران إنترناشيونال/ تلغراف، نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، الرابط: https://h7.cl/1hgOr




