logo
facebooktwitterinstagramyoutubelinkedintelegramthreads
مذكرة التفاهُم بين "أرض الصومال" وإثيوبيا: ارتداداتها المحلية وتداعياتها الإقليمية
فبراير 13, 2024
170

مذكرة التفاهُم بين "أرض الصومال" وإثيوبيا: ارتداداتها المحلية وتداعياتها الإقليمية

حجم الخط


تمهيد

جدد رئيس الحكومة الإثيوبية آبي أحمد رغبة بلاده في إيجاد منفذ بحري على البحر الأحمر، وذلك في كلمة له في 27 من كانون الثاني/ يناير في اجتماع اللجنة المركزية لحزب الازدهار (الذي انعقد في الفترة من 22 – 26 كانون الثاني/ يناير 2023 في أديس أبابا)، أكد فيه أن إثيوبيا ليس لديها رغبة أو مصلحة في الصراع مع حكومة الصومال وشعبه، وأن حكومته تعطي الأولوية للحوار، مشدداً على أنه لا يمكن اتهام حكومته بالسعي لتقويض وحدة الصومال[1]، ويأتي هذا الخطاب مخالفاً لما صدر من آبي أحمد في 13 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، والذي شدَّد فيه على ضرورة الوصول إلى البحر الأحمر بالحوار أو بالقوة، استجابة للرغبة الجامحة لدولة يتزايد عدد سكانها سنوياً، وتحتاج إلى تحسين اقتصادها وتعزيز مكانتها الإقليمية[2].

وفي ختام اجتماع اللجنة المركزية لحزب الازدهار، أصدرت اللجنة قراراً بتحويل مذكرة التفاهم مع أرض الصومال في 1 كانون الثاني/ يناير 2024، إلى اتفاقية عملية، والعمل على توسيع خيارات المنافذ البحرية من خلال اتفاقيات تعتمد على مبدأ “الأخذ والعطاء” مع دول الجوار[3]، كما أن جهاز المخابرات الإثيوبي دافع بضرورة إيجاد منفذ بحري لإثيوبيا، حيث قال نائب المدير العامّ لجهاز المخابرات والأمن في إثيوبيا سيساي تولا: إن البلاد التي كانت تمتلك موانئ منذ آلاف السنين، أصبحت غير ساحلية على مدى العقود الثلاثة الماضية، وأضاف أنه في ظل الوضع الراهن في البلاد، لا تستطيع البلاد أن تستمر في كونها دولة غير ساحلية. وأشار نائب المدير العامّ إلى أن أربعة عوامل رئيسية تبرر مدى إلحاح الطلب على الموانئ البحرية، والتي تشمل من بين أمور أخرى التنمية الاقتصادية، وتزايُد عدد السكان، والحاجة إلى تحقيق المنفعة العادلة لشعب البلاد، والحقوق القانونية والتاريخية للبلاد لتأمين الوصول إلى الميناء وملكيته[4].

ووقعت حكومة أرض الصومال بإمضاء رئيسها موسى بيحي عبدي (اُنتخب رئيساً لأرض الصومال في فبراير/ شباط عام 2017) مع حكومة إثيوبيا مذكرة تفاهُم وصفتها الأطراف المُوقِّعة عليها بـ"التاريخية" وأثارت جدلاً كبيراً في الأوساط الإقليمية والدولية، وهذا التقرير يفحص مدى تأثيرات تلك المذكرة وتداعياتها المحلية والإقليمية وأبعادها المستقبلية والتحديات التي تواجهها في المرحلة الراهنة[5].

مذكرة التفاهُم بين إثيوبيا وصوماليلاند (أرض الصومال): ماذا في التفاصيل؟

لم تخرج محتويات مذكرة التفاهُم الموقَّعة بين رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ورئيس إقليم أرض الصومال موسى بيحي عبدي إلى العلن، وما تسرب إليها من معلومات إلى الإعلام الإثيوبي والصومالي ليس كافياً، ولا تزال هذه المذكرة مثار جدل بين الأطراف الموقِّعة، خاصة فيما يتعلق بمصير أرض الصومال، حيث قال موسى بيحي عبدي  في المؤتمر الصحافي المشترك مع آبي أحمد بأن المذكرة تتضمن بنداً يضمن لأرض الصومال اعترافاً دبلوماسياً من إثيوبيا في مقابل تأجيرها ميناء بحرياً طوله 20 كيلومتراً وقاعدة بحرية لمدة خمسين عاماً لإثيوبيا، بينما أكد رضوان حسين، مستشار رئيس الوزراء الإثيوبي للأمن القومي في تغريدة له على منصة "إكس" أن المذكرة لم تتضمن ما يهدد استقلال وسيادة الصومال[6].

وتتضمن المذكرة خمسة بنود تلخص جوهر المذكرة المُوقَّعة بين الجانبين ومضامينها، وهي كالتالي:

· منح إثيوبيا 20 كيلومتراً من شاطئ البحر الأحمر وتحديداً ميناء بربرة على خليج عدن لمدة 50 سنة.

· بناء قاعدة عسكرية بحرية إثيوبية في ميناء بربرة.

· إمكانية بناء منطقة تجارية إثيوبية في منطقة ميناء بربرة.

· تخصيص أسهم - لم تُحدَّد بعدُ – لأرض الصومال في الخطوط الإثيوبية.

· في المقابل تعهدت إثيوبيا بالاعتراف بـ "صوماليلاند" كدولة مستقلة، وَفْق رواية مسؤولي حكومة أرض الصومال، ولم يصدر تأكيد بهذا الخصوص بعدُ من الحكومة الإثيوبية.

ولمزيد من التوضيح حول ما ورد في المذكرة، ذكر رضوان حسين، مستشار رئيس الوزراء الإثيوبي للأمن القومي أن حكومته ستنظر في مسألة الاعتراف بصوماليلاند دولة مستقلة بعد وصول القوات الإثيوبية إلى القاعدة العسكرية المطلّة على البحر الأحمر، وأوضح رضوان أيضاً أن المنطقة البرية المحاذية للمنفذ البحري ستشمل الاتفاقية بين الجانبين؛ الأمر الذي لم تكشف عنه صوماليلاند بعدُ، ويثير هذا الخطاب الأخير لمستشار الأمن القومي موجة من الغموض في البنود التي حملتها مذكرة التفاهُم بين الطرفين، وذلك في الوقت الذي تُصِرّ فيه أديس أبابا على أن بنود المذكرة لم تتضمن ما ينتهك سيادة الصومال[7]، ورداً على تصريحات رضوان حسين، قال وزير خارجية أرض الصومال عيسى كيد في تصريح للإعلام المحلي: "إن صوماليلاند لن تمنح إثيوبيا منفذاً بحريّاً على البحر الأحمر، ما لم تُقدِّم أولاً أديس أبابا اعترافها لـصوماليلاند دولة مستقلة"، وأشار إلى أن هرجيسا (عاصمة أرض الصومال) لم تُحدِّد بعدُ الميناءَ الذي سيمثل منفذاً بحريّاً لأديس أبابا، وهو ما فُسِّر بأنه محاولة لامتصاص غضب الشارع في أرض الصومال إزاء المخاوف من توسُّع إثيوبي نحو مناطق وموانئ الإقليم[8].

دوافع الأطراف الموقِّعة على مذكرة التفاهُم  

يحمل كلٌّ من الأطراف الموقِّعة على مذكرة التفاهُم، أهدافاً ودوافع وراء تشبيك المصالح بين الأطراف وإمكانية تحويل هذه المذكرة إلى اتفاقية ملزمة بين الجانبين، وتتمثل تلك الدوافع بالنسبة لأرض الصومال فيما يلي:

1. الحصول على اعتراف من دول إقليمية ذات وزن كبير في الاتحاد الإفريقي، وتُعتبر إثيوبيا دولة محورية في منطقة القرن الإفريقي، وتعتقد أرض الصومال، أن ضمان اعتراف إقليمي يحقق لها مستقبلاً اعترافاً دولياً وعربياً، وأن إثيوبيا ستشق طريقاً كان مسدوداً لعقود طويلة منذ انفصالها عن الصومال عام 1991.

2. تحقيق شراكة اقتصادية مع دولة يصل عدد سكانها نحو 120 مليون نسمة، بما يمنح أرض الصومال أن تكون أرضاً جاذبة للاستثمارات الأجنبية.

3. إقامة اتفاقية دفاع أمنية مع إثيوبيا لمواجهة خصومها الذين يهددون أمنها، خاصة بعد النزاع الأخير في إقليم سول بعد أن أعلنت قبيلة "طولبهنتي" التمرد على سلطة هرجيسا وتأسيس ولاية فيدرالية خاصة تخضع لسلطة حكومة مقديشو المركزية[9]، وأعطتها الداخلية الصومالية صفة ولاية فيدرالية مؤقتة[10].

أما بالنسبة لإثيوبيا، فإن حلمها ليس مقتصراً فقط على الحصول على ميناء تجاري، بل تريد أن تجد قاعدة بحرية عسكرية لأسطولها[11]، لتجد مكانة في نادي الدول المشاطئة على البحر الأحمر، وتتمثل الدوافع الإثيوبية في البنود التالية:

1. الخروج من العزلة الجغرافية: منذ استقلال إريتريا عن إثيوبيا عام 1993، فقدت إثيوبيا منفذها على البحر الأحمر، مما حوّل هذه الدولة الكبرى في القرن الإفريقي إلى دولة حبيسة تفتقر إلى ميزة الوصول إلى منفذ بحري حيوي في منطقتها المحورية[12].

2. أهداف اقتصادية وتوسيع المنافذ البحرية: وتعتمد إثيوبيا حالياً بشكل كبير على ميناء جيبوتي، حيث تمر صادراتها الخارجية (95%) ووارداتها (85%) عَبْر هذا الميناء، ما يكلفها مبالغ ضخمة، تُقدَّر بمليار ونصف مليار دولار أمريكي، ولهذا فإن أديس أبابا أقامت شراكات منذ عام 2018 خاصة مع حكومة أرض الصومال وتوقيع اتفاقية ثلاثية بين شركة موانئ دبي العالمية وأرض الصومال وإثيوبيا، بموجبها حصلت أديس أبابا على 19% من ميناء بربرة[13]، إلا أن هرجيسا أعلنت عام 2022 أن حكومة إثيوبيا لم تستطع الالتزام بالاتفاقية، ويتعلق الأمر هنا بعدم قدرتها على الإيفاء بالشروط المطلوبة لإتمام صفقة المِلْكية عَبْر تشييد طريق بطول 260 كيلومتراً يربط ميناء بربرة بالأراضي الإثيوبية، وبموجب ذلك فقدت أديس أبابا حصتها في الاتفاقية[14].

3. مواجهة التحدِّيَات الأمنية الإقليمية: بسبب الاضطرابات التي يشهدها البحر الأحمر منذ عملية "طوفان الأقصى"، في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وما أعقبها من تفجر للوضع في الجنوب الغربي للبحر الأحمر إثر تصاعُد هجمات الحوثيين على السفن المحملة بالبضائع المتجهة نحو إسرائيل، كانت دول المنطقة تُبدي خشيتها من أن تستهدف هذه التطوُّرات اقتصادها وأمنها، وتفاقم هذا القلق مع عودة نشاط القراصنة الصوماليين إلى الواجهة من جديد، ولهذا تريد أديس أبابا أن تُؤمِّن أجزاء من البحر الأحمر خشية أن تواجه أزمات اقتصادية وأمنية إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه أو تفاقمت لدرجة تهدد بوقف التجارة العابرة في البحر الأحمر.

4. أهداف إستراتيجية: تريد أديس أبابا أن توسع دائرة نفوذها وتعزيز مكانتها لتصبح عضواً في منتدى البحر الأحمر، وقد يُسهِم ذلك بدوره في تعزيز دورها الإقليمي والظهور رقماً مهمّاً في المعادلة الأمنية للبحر الأحمر، وإبداء الرأي في صياغة الأهداف البحرية الإقليمية إلى جانب تقديم نفسها للقوى الدولية الفاعلة شريكاً وحليفاً كفؤاً في أمن واستقرار القرن الإفريقي والبحر الأحمر، وذلك من خلال لعب دور في تأمين التجارة الدولية والملاحة البحرية والمضايق البحرية، بما في ذلك مضيق باب المندب الإستراتيجي[15].

موقف الحكومة الصومالية والخيارات المتاحة

كان ردّ الفعل من الحكومة الصومالية متوقعاً وبمستويات مختلفة من السلطتين التنفيذية والتشريعية والرئاسة الصومالية، حيث ارتفعت نبرة الاستنكار والرفض القانوني للمذكرة الموقَّعة بين إثيوبيا وإقليم صوماليلاند،  ووصفت الحكومة الصومالية الفيدرالية مذكرة التفاهُم الموقَّعة بين موسى بيحي عبدي وآبي أحمد بـ"العدوان السافر" الذي ينتهك سيادتها، كما استدعت سفيرها في أديس أبابا بغرض التشاوُر[16]، ولإضفاء شرعية لقرارات الرفض الصادرة من الرئاسة الصومالية والحكومة الفيدرالية، وقَّع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود على قانون يلغي بموجبه مذكرة التفاهُم الموقَّعة بين صوماليلاند وإثيوبيا[17]، وهو القانون الذي وافق عليه البرلمان الصومالي بغرفتيه ببطلانه وعدم صحته، على اعتبار أن إقليماً منفصلاً لا يحظى باعتراف كان طرفاً في توقيع المذكرة[18].

وتراهن الصومال حالياً تجاه أزمتها الدبلوماسية مع إثيوبيا على المواقف الدولية المؤيدة لعدم انتهاك سيادتها ووحدة أراضيها، لكن السؤال الذي يطرح نفسه في سياق تفاعُلات الأزمة الراهنة، ما خيارات الحكومة الصومالية للرد على خُطوة إثيوبيا تجاه توقيع مذكرة تفاهُم مع كيان منفصل لا يحظى باعتراف دولي؟

يمكن تلخيص عدة خيارات يمكن أن تتخذها مقديشو لمواجهة ما تصفه بالأطماع التوسُّعية الإثيوبية نحو أراضيها في النقاط التالية:

1. إعلان القطيعة الدبلوماسية والاقتصادية مع إثيوبيا، وبموجبه تلغي مقديشو كافة تعهُّداتها في مجال التعاون والتكامل الاقتصادي مع جارتها، ووقف عمل شركة الخطوط الإثيوبية التي تُسيِّر رحلات يومية إلى مناطق عدة بالصومال، ووقف التجارة العابرة للحدود بين البلدين[19].

2. إقامة اتفاقيات دفاع مشتركة مع دول إقليمية، وهو ما يوسع دائرة النزاع والصراع بين مقديشو وأديس أبابا، بمشاركة أطراف إقليمية ودولية.

3. تصعيد دبلوماسي، حيث يمكن أن تلجأ مقديشو للمحافل الدولية لفضح انتهاكات إثيوبيا بسيادتها، وإثارة مسائل قانونية في ما يخص مستقبل إثيوبيا كدولة تحتضن مقارَّ الاتحاد الإفريقي، بانتهاكها أعراف الاتحاد الإفريقي وقوانينه التي تضمن سيادة الدولة الأعضاء في الاتحاد واستقلالها.

ردود الفعل الإقليمية والدولية

كان من المتوقَّع أن تُثير مذكرة التفاهُم بين حكومة صوماليلاند مع الحكومة الإثيوبية ضجّة إعلامية وارتدادات عكسية دبلوماسية، لكن سقف توقُّعات الردود لم يكن بهذا الحجم من المستوى وَفْق متابعين، فأعربت دول كبرى من بينها الصين والولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة عن أهمية احترام سيادة الصومال واستقلاله ووحدته، بينما عربياً سجّلت مصر موقفاً مؤيداً وبشدة للحكومة الفيدرالية الصومالية[20]، ووصف وزير الخارجية المصري سامح شكري الخُطوة الإثيوبية بأنها تبثّ الاضطرابات في محيطها الإقليمي[21]، والتقى الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود نظيره المصري عبدالفتاح السيسي في القاهرة، وأجريا مؤتمراً صحافياً، أرسل فيه السيسي تهديدات وتحذيرات من المسّ بأمن الصومال أو تهديده[22]. كذلك دعت الهيئة الحكومية الإقليمية للتنمية "إيغاد" إلى الحوار بين أطراف الأزمة، وشددت على أن كل ما يتصل بالاتفاقيات بين الصومال وإثيوبيا لا بد أن يتمّ التنسيق مع الحكومة الفيدرالية في مقديشو[23].

كما أوضحت الجامعة العربية في اجتماع طارئ بخصوص الصومال تأييدها الكامل لموقف الصومال الرافض للاعتداء على سيادتها، ووصفت مذكرة التفاهم الموقَّعة بأنها تخالف قواعد ومبادئ القانون الدولي، وبأنها تهدد وحدة أراضي الدولة الصومالية ككل. وحذَّر المتحدث من خطورة تأثير تلك الخُطوة على نشر الأفكار المتطرفة في وقت تقوم الدولة الصومالية بجهود ضخمة لمواجهتها[24].

أما دولياً فقد أيدت دول عديدة موقف الصومال الرافض لمذكرة التفاهُم، وفي هذا السياق قالت المتحدثة باسم الخارجية الصينية ماو نينغ: إن "أرض الصومال جزء من الصومال. وتدعم الصين الحكومة الفيدرالية الصومالية في حماية الوحدة الوطنية والسيادة ووحدة الأراضي"، كما دعت إلى احترام  وحدة أراضي الصومال[25]. أما واشنطن فأعربت عن موقفها الرافض لمذكرة التفاهُم، ودعت إلى حماية سيادة أراضي الصومال واستقلالها ووحدتها، كذلك تركيا أبدت موقفاً داعماً للصومال، وبحسب بيان نشرته دائرة الاتصال في الرئاسة التركية على حسابها في منصة "إكس"، أكد أردوغان "وقوف تركيا إلى جانب مقديشو في مكافحة الإرهاب"، وأن "التعاون بين البلدين سيستمر باطِّراد[26]، كما أكد الاتحاد الأوروبي أهمية احترام حدود الصومال وسيادته وسلامة أراضيه، وفقاً لدستوره وميثاق الاتحاد الأوروبي[27].

تداعيات واحتمالات مستقبلية

1. مخاوف أمنية من بروز تيارات مسلحة: يكرر الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود أن وصول إثيوبيا بالقوة إلى البحر الأحمر يهدد المنطقة بولادة تيارات جهادية مسلحة وبروز كيانات مسلحة من القوميين الوطنيين، كما حدث عام 2006 إبان توغُّلها العسكري في الصومال، وأطاحت بالمحاكم الإسلامية، على اعتبار أن العنف يولد عنفاً آخر، وهو ما أدى إلى ولادة حركة الشباب الموالية لتنظيم القاعدة، والتي تُعَدّ حالياً من أكثر التنظيمات الإرهابية في العالم، والتي تواجه الحكومة الفيدرالية منذ عَقْدين. ولهذا فإن منسوب المخاوف من نشوء جماعات وتيارات مسلحة في الإقليم وارد إذا استخدمت إثيوبيا القوة للوصول إلى البحر وتجاهلت ردود الفعل المحلية والدولية[28].

2. أزمات عشائرية في صوماليلاند: رفضت بعض القبائل في صوماليلاند منح منفذ بحري لإثيوبيا وهو ما يشكل تحدِّياً عشائريّاً بالنسبة للإقليم وإثيوبيا، وربما سيتطور هذا إلى صراعات بين العشائر من جهة وكيان صوماليلاند وإثيوبيا من جهة أخرى، على غرار ما حصل في إقليم سول، وأدى إلى طرد جيش صوماليلاند من مدينة لاسعانود، عام 2023، ورفضت عشيرة "عيسى" القاطنة في مدينتَيْ زيلع ولوكهي مذكرة التفاهُم التي وقَّع عليها موسى بيحي مع آبي أحمد، وهو ما يهدد وحدة العشائر وتماسكها ويضرب العلاقات البَيْنِيّة بين القبائل القاطنة في صوماليلاند.

3. تبدُّد جهود المفاوضات: من المفاجآت التي حملتها مذكرة التفاهُم أنها جاءت بعد أيام قليلة فقط من تطوُّر ملموس في مسار المفاوضات بين الصومال وصوماليلاند، لكن توقيع هذه المذكرة من قِبل موسى بيحي، يعوق جهود دفع المفاوضات نحو الأمام، ولم تَعُد النقاشات تدور حالياً حول هذا المسار، بل من أجل ردع الإقليم عن المضيّ في توقيع اتفاقية مثيرة للجدل مع إثيوبيا تحصل بموجبها على منفذ بحري في المياه الدافئة[29].

4. توتُّرات ومخاوف إقليمية: بعيداً عن الصومال، والتي تواجه أزمة دبلوماسية متفاقمة مع إثيوبيا، فإن جيبوتي ومصر وإريتريا، تستشعر قلقاً عميقاً إزاء التطوُّرات المفاجئة التي أثارت زوبعتها هذه المذكرة، فجيبوتي تحصل على ما يقرب من مليارَيْ دولار أمريكي سنويّاً نظير تأجيرها لموانئها لإثيوبيا، بينما مصر التي تحظى بنفوذ واسع في منطقة البحر الأحمر تبدي تخوُّفها من بروز لاعب إقليمي جديد ينافسها في الزعامة والهيمنة، أما إريتريا، فتشعر أيضاً بمخاوف من تجدُّد الصراعات مع إثيوبيا برّاً وبحراً هذه المرة، إذا اشتعل فتيل التوتُّر والصراعات بينهما مرة أخرى.

الخاتمة

مع مرور الوقت، تتحوَّل مذكرة التفاهُم بين إثيوبيا وأرض الصومال إلى مأزق حقيقي، ويبدو أن مناورة آبي أحمد تتمثل في أنه رغب في تحويل مشكلة إثيوبيا الحبيسة إلى مشكلة إقليمية، فتوريط الآخرين يدفعهم إلى المساعدة في نزع فتيل الأزمة خوفاً من تداعياتها، ولهذا وقَّع آبي أحمد  على مذكرة تفاهُم غير مُلزِمة يستطيع الانسحاب منها في أي لحظة، ومنح العالم مدة شهر قبل التوقيع على اتفاق نهائي، بما يعني دفع الجهود الدبلوماسية للتكثيف خلال سقف زمني معيَّن استباقاً لنهاية المدة، لكن ما يحدث الآن أن الفترة الزمنية تكاد تنقضي والمشكلة لم تُحَلَّ بعدُ، فالاحتمالات الآن تتراوح بين أحد السيناريوهات التالية:

- سيناريو الاستمرار: يأتي ذلك اتِّساقاً مع الرغبة المحلية لدفع مذكرة التفاهُم مع أرض الصومال إلى الأمام، دون الاستشعار بالمخاطر الأمنية والتداعيات المحتملة إزاء هذه الخُطوة، وهو سيناريو مُكلِّف للعديد من الأسباب، ويكفي القول ببساطة إنه لولا خطورة هذا الخيار لوقَّعت إثيوبيا منذ البداية اتفاقية مُلزِمة، ولهذا فإن استمرارها على ما هي عليه دون تحقيق تقدُّم إلى الأمام أو تحويلها إلى اتفاقية مُلزِمة يؤدي بالضرر للصورة الذهنية للحكومة الإثيوبية أمام الرأي العامّ الداخلي الذي يبدو أنه يدفع باتجاه إيجاد منفذ بحري.

- سيناريو التأجيل: وهو تمديد مذكرة التفاهُم إلى فترة أطول بعد مرور نحو شهر بعد التوقيع عليها ريثما يتم الوصول إلى تسوية، ومن مخاطره أن عدم إنجازها يعني العودة إلى نقطة الصفر من جديد، في حين لا يبدو أن المُعطَيات الحالية ستتغير آلياً، فالمخاطرة عالية الترجيح؛ لأن الوصول إلى البحر الأحمر بالقوة العسكرية لا يضمن لأديس أبابا إمكانات البقاء طويلاً في هذه المنطقة، وربما هي مسألة وقت وينقلب عليها الحال في حال حدثت تغيُّرات جديدة في الإقليم وفي حكومة أرض الصومال.

- سيناريو التراجُع: وهو سيناريو مكلف أيضاً بالنظر إلى ارتداداته على صورة أحمد في الداخل الذي تم تعبئته  بأحقية الحصول على منفذ بحري، وكان ينظر إلى هذه المذكرة الموقَّعة مع أرض الصومال كونها تحمل أهدافاً شخصية أكثر من أهداف تخدم إثيوبيا، فيريد آبي أحمد تحقيق مكاسب داخلية أمام خصومه من النخب الأمهرية والتيغراوية، وسحب البساط من تحت أقدامهم ورفع شعبيته بتحقيق حلم الوصول إلى المياه الدافئة بعد أن أصبحت أديس أبابا دولة حبيسة بعد انفصال إريتريا عام 1993، كما أن حكومة آبي أحمد تريد توحيد الإثيوبيين نحو هدف واحد وصرف الأنظار عن الأزمات الداخلية التي تعيشها إثيوبيا، لا سيما الصراعات مع جبهة "فانو" الأمهرية، والتوتُّرات القائمة بين الإثنيات في إثيوبيا.

 

يمكنكم تحميل النسخة الإلكترونية PDF (اضغط هنا)

الهوامش:

[1]  رئيس الوزراء: ليست لدينا رغبة أو مصلحة في الصراع مع الصومال، وكالة فانا عربي الإثيوبية، 26 كانون الثاني/ يناير 2024، الرابط.

[2] Abiya Ahmed remarks aired on state television, Ethiopian Broadcasting Corporation, 13 October 2022, (visited on: 25 January 2024), the link.

[3]  الحزب الحاكم يصدر قراراً بتحويل مذكرة التفاهم الموقَّعة مع أرض الصومال إلى اتفاقية عملية، وكالة فانا عربي الإثيوبية، 26 كانون الثاني/ يناير 2024، الرابط.

[4]  الاستخبارات والأمن: إثيوبيا ستعزز مساعيها لتحقيق تطلُّعاتها لتأمين الميناء البحري، وكالة فانا عربي الإثيوبية، 27 كانون الثاني/ يناير 2024، الرابط.

[5] Ethiopia signs agreement with Somaliland paving way to sea access, BBC, 2 January 2024, the link.

[6] Leader of Somalia’s breakaway Somaliland says deal with Ethiopia will allow it to build a naval base, AP, 26 January 2024, the link.

[7] Interview with Redwan Hussein, the national security adviser to Abiya Ahmed, Ethiopia News, 6 January 2024,  the link.

 [8]  أرض الصومال تضع شروطاً لمنح منفذ بحري لإثيوبيا، موقع العاصمة، 3 كانون الثاني/ يناير 2024، الرابط.

 [9] عبدالقادر محمد علي، ما خيارات مقديشو لتقويض اتفاق إثيوبيا وأرض الصومال؟ الجزيرة. نت، 7 كانون الثاني/ يناير 2024، الرابط.

 [10]  الحكومة الفيدرالية تعترف بإدارة SSC خاتمو الانتقالية، قراءات صومالية، 19 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، الرابط.

[11]  تهديدات إثيوبيا تنذر بإشعال الصراع في موانئ القرن الإفريقي، العربي الجديد، 2 آب/ أغسطس 2023، الرابط.

[12]  الشافعي أبتدون، مذكرة تفاهم بين صوماليلاند وإثيوبيا: الحيثيات والتبعات، مركز الجزيرة للدراسات، 9 كانون الثاني/ يناير 2024، الرابط.

[13] أحمد عسكر، قراءة أولية في اتفاق إثيوبيا وأرض الصومال، مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، 5 كانون الثاني/ يناير 2024، الرابط.

[14]  إثيوبيا تخسر حصتها بميناء بربرة، الصومال الجديد، 12 حزيران/ يونيو 2022، الرابط.

[15]  أحمد عسكر، لماذا تسعى إثيوبيا لامتلاك منفذ بحري، مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، 31 آذار/ مارس2023، الرابط.

[16]  الصومال تعتبر الاتفاق بين إثيوبيا وأرض الصومال "تعدياً سافراً"، العربي الجديد، 2 كانون الثاني/ يناير 2024، الرابط.

[17]  الرئيس الصومالي يوقع قانوناً يُبطل مذكرة التفاهم بين إثيوبيا وأرض الصومال، الشرق الأوسط، 6 كانون الثاني/ يناير 2024، الرابط.

[18]  البرلمان الصومالي يرفض الاتفاقية الموقَّعة بين أرض الصومال وإثيوبيا ويعتبرها باطلة، الصومال الجديد، 3 كانون الثاني/ يناير 2024، الرابط.

[19]  لقاء اليوم مع علي عمر، القائم بأعمال وزير الخارجية الصومالية، قناة الجزيرة، 11 كانون الثاني/ يناير 2024، تاريخ الدخول : 29 كانون الثاني/ يناير 2024، الرابط.

[20] Egypt’s el-Sisi says Cairo will not allow any threat to Somalia, Aljazeera.com, 21 January 2024, the link.

[21]  وزير خارجية مصر: إثيوبيا باتت مصدراً لبثّ الاضطراب في محيطها الإقليمي، الشرق الأوسط، 17 يناير/ كانون الثاني 2024، الرابط.

[22] Egypt’s el-Sisi says Cairo will not allow any threat to Somalia, Aljazeera.com, 21 January 2024, the link.

[23]  ما خيارات مقديشو لتقويض اتفاق إثيوبيا وأرض الصومال؟ الجزيرة نت، 7 كانون الثاني/ يناير 2024، الرابط.

[24]  الجامعة العربية تتضامن مع حكومة الصومال في رفض وإدانة المذكرة الموقَّعة بين جمهورية إثيوبيا الفيدرالية و"أرض الصومال"، موقع جامعة الدول العربية، 3 كانون الثاني/ يناير 2024، الرابط.

[25] China backs Somalia in row with Ethiopia about port deal, Anadolu Agency, 11 January 2024, the link.

[26] Türkiye voices concern over agreement between Ethiopia, Somalia’s breakaway region, Anadolu Agency, 4 January 2024, the link.

[27] Statement by the Spokesperson on the territorial integrity of the Federal Republic of Somalia, European union, 2 January 2024, the link.

[28]  رئيس الجمهورية يستنكر الانتهاكات الإثيوبية ضد سيادة البلاد، وكالة صونا الرسمية، 2 كانون الثاني/ يناير 2024، الرابط.

[29]  مقابلة مع مستشار الرئيس الصومالي لملفّ المفاوضات مع صوماليلاند عبدالكريم حسين جوليد، عَبْر الهاتف، مقديشو، 30 كانون الثاني/ يناير 2024. 

logo

مركز أبعاد للدراسات الإستراتيجية، مركز دراسات وتفكير، تأسس في لندن مطلع يناير 2020، بفريق من الباحثين والخبراء المختصِّين من مجموعة واسعة من دول منطقة الشرق الأوسط.

اتصل بنا

  • 00442036758971
  • info@dimensionscenter.net
  • Dimensions, The Mille, 1st floor, 1000 Great West Road, Brentford, TW8 9DW, GB
© 2024 مركز أبعاد للدراسات الاستراتيجية، جميع الحقوق محفوظة.
Powered with
by
lazemni.com