المظاهرات في إيران النظام الديني في مواجهة لحظة اختبار

المظاهرات في إيران النظام الديني في مواجهة لحظة اختبار

 

تشهد إيران منذ يوم 16 سبتمبر 2022 مظاهرات في عدة مدن إيرانية، على خلفية مقتل الفتاة الكردية الإيرانية مهسا أميني، والتي قُتلت بعد تعرُّضها للضرب على يد "شرطة الأخلاق" لعدم ارتدائها الحجاب بشكل صحيح، وَفْقاً لرواية عائلتها، بينما قالت السلطات بأنها قُتلت نتيجة إصابتها بنوبة قلبية.

وقد بدأت المظاهرات برفع شعارات مُطالِبة بإلغاء إلزامية الحجاب ومندِّدة بـ"شرطة الأخلاق" وداعية لحلها، ولكن المظاهرات رفعت لاحقاً في بعض المدن شعارات مُطالِبة بإسقاط النظام. واستخدمت السلطات العنف في مواجهة المتظاهرين، حيث قُتل عشرات من المتظاهرين برصاص رجال الأمن حتى الآن.

والمظاهرات الحالية هي الأوسع في إيران منذ مظاهرات تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، والتي انطلقت آنذاك احتجاجاً على رفع أسعار المحروقات، وامتدت إلى حوالَيْ مائة مدينة إيرانية، وسقط فيها عدّة مئات من الضحايا.

وتختلف المظاهرات الحالية عن تلك التي سبقتها من كونها تتعلق بقضية ذات طابع فكري/اجتماعي، لا قضية مطلبية ذات بُعد اقتصادي، كما أنها ترتبط بقضية تهمّ شرائح واسعة من المجتمع، وخاصة الطبقة الوسطى والغنيّة، وهي التي لا تُشارك عادة في الاحتجاجات والمظاهرات، السياسية منها والاقتصادية.

كما تميّزت هذه المظاهرات بأنها عابرة للتقسيمات العِرْقيّة والمناطقية، فرغم أن أميني هي كردية، وأن التظاهرات تركّزت بداية في المناطق الكردية، إلا أن المظاهرات توسَّعت إلى مناطق أخرى. ومع ذلك فإن مشاركة العنصر الكردي في التظاهرات، ومقتل العديد من الأكراد خلالها، يُشكل عاملاً مميزاً مُهمّاً عن المظاهرات السابقة.

ورغم هذا التميُّز الذي تحمله المظاهرات الحالية، إلا أن قراءة مَسار المظاهرات السابقة، وآلية تعاطي السلطات معها، تُشير إلى أن هذه المظاهرات سوف لا تستمر لفترة طويلة، ولن تؤدي إلى إحداث تغيير مباشر، لاعتبارات أهمها غياب القيادة الموحّدة للمتظاهرين، وغياب المطلب الجامع لكل الفئات المُعارِضة، وتماسُك السلطة وأجهزتها الأمنية.

ومع ذلك فإن جملة من المعطيات تُشير إلى أن السلطات الإيرانية ستسعى إلى الحدّ ما أمكن من استخدام العنف هذه المرة، لجملة من الأسباب، أهمها الحالة المَرَضيّة للمرشد الأعلى، حيث يتطلب انتقال السلطة إلى مرشد جديد استقراراً أمنياً واجتماعياً نسبياً، إضافة إلى المشاركة الكردية الواضحة في المظاهرات هذه المرة، إذ قد يتسبب استخدام العنف المفرط في توسُّع المظاهرات، وتحوُّلها إلى اضطرابات أمنية أعمق، بما يترك أثره على الوضع الأمني في إيران، وحتى على علاقة إيران بالمكوّن الكردي في سورية.

ومع ذلك، وبغضّ النظر عن الطريقة التي ستنتهي فيها الاحتجاجات الحالية، فإنّ النقاش الحالي حول سياسة الدولة في فرض النموذج الديني على المواطنين سيستمر، وستقوم مزيد من النساء في الغالب بالعمل على تحدي إلزامية الحجاب في المرحلة المقبلة، وقد تُشكل هذه الاحتجاجات بداية لتشكيل مجموعات مدنية تعمل بشكل منظم على تجميع المعارضين لهذا النموذج الديني الذي يُحاول نظام المرشد فرضه على المجتمع. وسيؤدي هذا التنظيم إلى نقل المواجهة لمستوى مختلف في المرة التالية التي ستندلع فيها احتجاجات مماثلة.

وتواجه الدولة خياراً صعباً في التعاطي مع إلزامية الحجاب ونشاط الشرطة الأخلاقية المسؤولة عن فرض النموذج الديني، فأي تراجُع عن هذه القوانين والأنظمة بناء على احتجاجات المواطنين ستبدو إشارة ضعف للنظام، وستشجع المحتجين على توسيع مطالبهم، وبالمقابل فإنّ الإصرار على تطبيقها بعد هذه الاحتجاجات سيُدخل النظام في مواجهة مع شرائح رمادية في مواقفها السياسية، ويحوّلها إلى خصوم.

كما أن تحوُّل المظاهرات الواسعة في إيران إلى ظاهرة سنوية، وبشعارات ومطالب مختلفة في كل عام، يُشير إلى حجم وطبيعة الأزمة التي يعيشها النظام الإيراني، والذي يبدو أنه يراهن بشكل شِبه مطلق على سيطرته الأمنية، وهو رهان ثبت فشله في الكثير من الدول.