صراع "أشباه الموصلات"  فصل جديد في المنافسة الأمريكية-الصينية

صراع "أشباه الموصلات" فصل جديد في المنافسة الأمريكية-الصينية

 

أعلن البيت الأبيض في أوائل أغسطس/آب 2022 عن توقيع الرئيس جو بايدن على قانون أشباه الموصلات (CHIPS and science act)، الذي عُرف اختصاراً بقانون CHIPS حيث يدعم القانون عمليات التصنيع في هذا القطاع بمبلغ يصل إلى 52 مليار دولار.

ولم يكن إقرار مثل هذا القانون أمراً اعتيادياً، إذ تعتبره إدارة بايدين-هاريس مسألة "أمن قومي في مواجهة النفوذ الصيني" في سبيل توفير دعائم الصناعات الأمريكية الرئيسية في مجال السيارات، والكمبيوتر والصناعات الدفاعية.

ترتبط أشباه الموصلات بالصناعات الإلكترونية أين ما وجدت، ونستطيع القول: إنه بلا أشباه الموصلات لا يمكن أن تكتمل هذه الصناعة التي تُعد مدخلاً لصناعات أخرى.

وتعد عملية إنتاج أشباه الموصلات؛ معقدة وذات مراحل طويلة، تتداخل فيها مكونات من معادن نادرة، كما أنها تتطلب استثمارات مكلفة، يصعب على الدول الصغيرة الاستثمار فيها، كما تعتبرها الدول المتقدمة أساساً للحفاظ على صناعاتها المتطورة، وعموداً للتفوق، ومصدراً واسعاً للدخل، مما جعلها مسألة ترتبط بالأمن القومي من عدة مستويات.

وتحمل المنافسة على إنتاج أشباه الموصلات أبعاداً تفوق البعد الاقتصادي، فقد وضعت الصين هدفاً استراتيجياً لتحقيق التطوير الشامل في البلاد على أساس الرقمنة على كافة المستويات بحلول عام 2027، لا سيما المستوى العسكري، حيث تتطلب الاختراقات في الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية رقائق متقدمة، وهو ما يُعزز بالتالي القدرات الدفاعية والهجومية بما في ذلك السيبرانية لجيش التحرير الشعبي. وقد بدأت بوادر الوصول إلى هذه الرقائق المتقدمة بالفعل، حيث تشير معلومات غربية إلى أن بكين وصلت لإنتاج رقائق "7 نانو متر"، مما يجعل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، واستخدام شبكة 5G قابلة للتطبيق على جميع الأصعدة.

وبحسب أحدث الأرقام، فقد نمت مبيعات أشباه الموصلات في الصين بأكثر من 30%-وبالتالي الإنتاج- في عام 2020 لتصل إلى ما يقارب 40 مليار دولار. وهي تغطي 16% من احتياجات السوق العالمية بعد الولايات المتحدة وتايوان متخطية كوريا الجنوبية.

إن امتلاك الصين لقدرة إنتاج رقائق متطورة بكميات أكبر يعني استمرار سعيها للهيمنة على السوق العالمية اقتصادياً من جهة، ورفع إمكانياتها وقدراتها العسكرية لتوسيع تأثيرها في الفضاء السيبراني والفضائي من جهة ثانية، وهذان الأمران بشكل رئيسي يدفعان الرئيس بايدن للتعاطي مع مسألة الرقائق باعتبارها مسألة أمن قومي بالنسبة للولايات المتحدة.

أحد الفصول الرئيسية في مسألة المنافسة على إنتاج الرقائق هو قضية تايوان، التي تمتلك ما يزيد عن 60% من حصة إنتاج الرقائق العالمية، تليها كوريا الجنوبية بحوالي 12%. وتعمل الولايات المتحدة على حماية أمن تايوان من أجل ضمان استمرار صادرات الرقائق منها، ضمن أهداف عديدة أخرى.

عبر القانون الذي أقرته الولايات المتحدة، بدأت واشنطن بدروها خطة "الاستغناء" عن الصين فيما يتعلق بحاجة السوق العالمية للرقائق، وبدأت بإنشاء البدائل، فعلى سبيل المثال افتتح الرئيس الأمريكي في 10 سبتمبر/أيلول موقع مصنع لأشباه الموصلات في ولاية أوهايو، وسابقاً ثلاثة مصانع في تكساس. عدا عن إقرار قانون CHIPS Act، إضافة لتمتين التحالفات مع كل من تايوان وكوريا الجنوبية، كمنتجين عالميين رئيسيين، وقد زارت رئيسة الكونغرس الأمريكي نانسي بيلوسي تايوان مطلع آب/أغسطس 2022.

وكان من أهم جدول أعمالها هناك بحث تعزيز التعاون بين الولايات المتحدة وتايوان في مجال تصنيع أشباه الموصلات، وهو ما أثار ردود فعل صينية قوية ومستاءة.

ما رأت فيه الولايات المتحدة الأمريكية استراتيجية للاستغناء عن الصين، وجدت فيه الصين مجالاً خصباً لجذب الاستثمارات في مجال صناعة الرقائق، حيث باتت الصين تدرك ضرورة الاعتماد على نفسها في هذا المجال وتأمين احتياجاتها، مما دفع مستثمرين عالميين للاستثمار في معامل الرقائق الصينية التي ارتفعت أسهمها عقب زيارة بيلوسي وإقرار قانون (CHIPS). وعليه فإن فمن المتوقع أن تزداد حدة المنافسة بين البلدين في هذا المجال على مدى السنوات المقبلة.

وهذه المنافسة سوف تتحدد بعدد من العوامل، أهمها احتياجات السوق وقدرة الصين والولايات المتحدة على ترويج استهلاك أشباه الموصلات التي يتم إنتاجها في كلا البلدين. وغالباً ما سيؤدي الوضع السياسي الدولي القائم دوراً في تحديد ذلك، فليس من مصلحة حلفاء واشنطن التعامل مع الصين بهذا المجال إذا كانت الأولى تعتبر قضية الرقائق تهديداً لأمنها القومي، كما أن قدرة الصين على إنتاج تلك الرقائق بتكلفة وسعر أقل يزيد من رغبة دول العالم النامي (الأقل موارداً) بشراء الرقائق الصينية، خصوصاً وأن الصين تسعى للقيام بدور قيادة العالم النامي.

على المدى القصير والمتوسط؛ قد ينعكس الأمر سلباً على دول الشرق الأوسط، خاصة تلك التي تسعى لتوطين تقنيات متقدمة نسبياً، كما هو الحال مع كل من تركيا، ومصر، والسعودية، إضافة لبعض الدول الخليجية التي تسعى لجذب استثمارات تقنية خاصة في المجال العسكري، ولكن على مدى أبعد قد تعمل هذه الدول عبر أذرعها الاستثمارية من الدخول في استثمارات في مصانع الدول المتنافسة لتأمين وصول هذه المكونات.

هكذا فإن المنافسة في إطار إنتاج أشباه الموصلات أصبحت محدداً رئيسياً لشكل العلاقات بين واشنطن وبكين، وبعد زيارة بيلوسي إلى تايوان أصبح هذا المحدد عاملاً في سياق (حملة) الحد من النفوذ الصيني العالمي التي يقودها بايدن وحلفائه الغربيين.